التوحيد مركب النجاة– لا يزهد فيه إلا هالك

 

التوحيد مركب النجاة
لا يزهد فيه إلا هالك

 

للتوحيد معالم دُرِس بعضها بين كثير من الناس؛وميّعوا عراه الوثقى؛

حتى وَلَج كثير منهم في نواقضه، واستساغوا أنواعا من الشرك ؛ وعبدوا طواغيت؛ بعضها قبورية حجرية ،وكثيرا منها قصورية عصرية ؛وتولّوا المشركين..

ولا غرابة في هذا ؛ فقد أخبر به النبي ﷺ بقوله: (..لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان)

فبين ﷺ في هذا الحديث أن نقض التوحيد كما أنه يكون بعبادة الأوثان؛ يكون أيضا باللحوق بالمشركين والانحياز إليهم وموالاتهم ومظاهرتهم على المسلمين.

ومنه يُعلم أن من أهم واجبات التوحيد:
البراءة مِن الشرك
والبراءة مِن أهله أيضا.

بل قَدَّم الله البراءة من المشركين على البراءة من الشرك نفسه؛ فقال تعالى :  ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ )

فتأمل كيف قدّم البراءة من الأقوام المشركين ؛على البراءة من معبوداتهم ؛
لأن كثيرا من الناس قد يتبرّأ من المعبودات ولكنه لا يتبرّأ من عابديها؛ بل يُواليهم ويُظاهرهم ويجادل عنهم وعن أفكارهم الكفرية ،ومذاهبهم العلمانية؛ فلا يكون قد أتى بواجبات التوحيد.

ولو تَتبّعت القرآن لوجدت تقديم ذلك يتكرر ، والتكرير يفيد التقرير؛

فمن ذلك قوله تعالى عن إبراهيم أيضا: ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)

فتأمل كيف قدّم اعتزالهم على اعتزال مايدعون.

وحين عَنّف إبراهيمُ قومَه وسَفّه أحلامهم وعقولهم وبرئ منهم؛ قدم الأُفَّ لهم ،على الأفِّ لأصنامهم فقال:( أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )

ومثله الفتية أهل الكهف:( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)

فتأمل تقديم اعتزال قومهم على اعتزال ما يعبدون ؛

 فهذا التقديم وتكريره في القرآن ليُقرّر أهمية البراءة من المشركين واعتزال مولاتهم وترك نصرتهم ؛وذلك لتفريط الناس فيه؛فإن أكثرهم وإن تبرّأوا من الشرك وعبادة الأوثان؛لكنك تراهم أولياء للمشركين وأحبابا وأنصارا لأعداء #التوحيد .. ولو تأمّلت أحوال أهل زماننا لوجدت أن أكثر نواقض الإسلام انتشارا بين الناس ؛هي مولاة المشركين وعدم البراءة منهم ؛ومناصرتهم ومظاهرتهم على المسلمين.
فإن دَعَوتَهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد؛ صاحوا بك وضجّوا قائلين :وهل نحن مشركون !؟ هل ترانا نعبد الأوثان!؟ أو نسجد للأصنام!؟

وما شعروا أن مظاهرة عابدي الأوثان والطواغيت ومناصرتهم على المسلمين ناقض من نواقض التوحيد ؛مثل عبادة الأوثان.

وأن الخروج من دين الإسلام يكون تارة بهذا ،وتارة بهذا،وتارة بكليهما، أو بغيرهما من النواقض!

 ولكن مصيبة أهل زماننا أنّهم يعرفون دقائق المعارف الدنيوية والتطورات التكنولوجية وينفقون الساعات الطوال في تعلّمها؛ولا يُنفقون عُشر معشار ذلك لتَعلُّم الغاية التي خُلقوا لأجل تحقيقها ؛وهي #التوحيد وكلمته(لا إله إلا الله) ولا يتنبّهون أو يَحْذَرون من أخطر نواقضها !

كما قال تعالى:( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)

 فكثير من الناس مثلا لا يعلم أن التشريع مع الله فيما لم يأذن به الله وفقا للدساتير الوضعية ،أو قبول هذا التشريع : شرك أكبر مناقض للتوحيد ؛ كمناقضة عبادة الأوثان للتوحيد؛ فتجد كثيرا من المسلمين يُمارسونه أو يُنيبون عنهم من يُمارسه ؛دون أدنى حرج؛ بل هناك مِنَ المنتسبين للعلم من يُزيِّنه ويُسوِّغه، ويُجادل عنه وعن أهله ، ويُشدّد النَكير على من يُحذّر من هذا الشرك العصري؛أو يبرأ من أهله ومنهجهم! ويصفه بالغلو ،ويصف تحذيراته بمنهج الخوارج والمتعنتين!

 وكثير من الناس ضَلَّلهم علماء السلاطين وأفهموهم أن القوانين الوضعية لا تناقض الشريعة!

وأن تحكيمها لا يناقض التوحيد بل هو مُجرّد معصية ؛بالكاد تصل إلى الكفر الأصغر!

 ومنهم من يعلم أن القوانين الوضعية مناقضة للشريعة؛
لكن ليس عنده من التوحيد ما يمنعه من تَولّى أهلها ونصرتهم؛ولا عنده من عرى التوحيد الوثقى ما يحجزه عن مظاهرة مشركي القوانين وعساكر الدساتير؛ على طلاب الشريعة وأنصارها.

ومنهم من أفهمه مرجئة العصر وجهميّة الزمان أن الطاغوت هو الشيطان والأوثان والسحرة والكهان فقط؛

أما وليّ الأمر! فمهما طغى وبغى وتَعَلْمَنَ وشرّع وحكم بغير ما أنزل الله فليس بطاغوت بل طالوت!

فلم يعرفوا أن في الحكام والمشرّعين ؛طواغيت شرٌّ وأخبث! من الأوثان والسحرة والكهان

ولذلك دخل كثير منهم في دين الطواغيت ؛ وعبدوهم بمتابعتهم
في تشريعهم مالم يأذن به الله؛ وناصروهم ولم يَكفروا بهم ولا تبرّؤوا من نصرتهم وعبادتهم ؛بل صاروا لهم جندا محضرين، ولشركهم حراسا وسدنة مخلصين!

وبعضهم حَصر العبادة بالركوع والسجود والدعاء والنُسك ونحوه..
ولم يعرفوا أن الطاعة في تحريم ما أحل الله أو تحليل ماحرّم الله أو تشريع مالم يأذن به الله؛ عبادة فوقعوا بشركها.

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد:(بابٌ من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلَّ الله أو تحليل ما حرّمه الله فقد اتخذهم أرباباً)

عن عديّ بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية،

فقال له: إنا لسنا نعبدهم.

قال: “أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرّم الله فتُحلُّونه؟ “

فقال: بلى.

قال: “فتلك عبادتهم”

 وكل ذلك وَقَعَ فيه من وقع بإعراضهم عن تَعلُّم معنى (لا إله إلا الله) ومعرفة التوحيد الذي هو حق الله على العباد ؛ كي يحقّقوه ويُوحّدوه ولا يشركوا به شيئا.

وأعانهم على هذا الإعراض وأَزَّهم إليه مشايخ السوء ودعاة الضلالة الذين زيّنوا لهم الشرك وجادلوا عن أهله وطواغيتهم؛ وزهّدوهم بالتوحيد وبتعلّمه ،بدعوى أنّ جميع الناس موحدون، ولا يحتاجون لدعوة التوحيد ولا لتعلمه!

مع أن الله تعالى أراد منا أن نَصبغ حياتنا كلها بل ومماتنا؛ بالتوحيد والبراءة من الشرك والتنديد فقال سبحانه: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين)

الشيخ أبو محمد المقدسي

.

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on