سؤال وجواب حول من أفتى الناس بالمشاركة في الديمقراطية تقليدا لبعض الشيوخ

 سؤال: بعض المشايخ يفتون الناس بجواز المشاركة في الانتخابات الديمقراطية بحجة أنه قد أفتى فيها الشيخ الفلاني أو العالم العلاني؛مستدلين بأنهم علماء معروفين ولهم مكانتهم؛في الفقه أو الحديث،فما قولكم شيخنا في هذا الصنيع الذي يضلون به الناس؛ في باب هو من أبواب الشرك العصري؛ مع العلم أن أكثر أولئك المشايخ لم يدركوا تجارب الناس المتكررة والفاشلة في هذا السبيل الشركي في زماننا؛ فهل يجوز له رغم ذلك دعوة الناس إلى تقليدهم في ذلك؟

 

الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فمن أعجب العجب أن يتصدر للفتوى مقلد
فيوجّه الناس إلى النهج الديمقراطي ؛ ويحثهم على الجهاد الدستوري،مقلدا بذلك الرجال
ومثل هذا الشيخ لا يُعتد بفتواه ؛ولا يتابع على تقليده
قال الله تعالى ناهيا عن التقليد:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}
وقال سبحانه مبشرا من لم يقلد: {فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألباب}

والتقليد إنما جوّزه من جوزه من العلماء للجاهل العاجز عن الإستدلال؛وليس لمن تصدر للإفتاء في أخطر المسائل
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور) (انظر: مجموع الفتاوى 19/262) .
فهذا العاجز الجاهل يقلد لنفسه؛ ولا يقلد ليفتي غيره بالتقليد في أخطر المسائل التي تتعلق بالكفر والإيمان؛ فيورط من يغترون به في هذه المزالق الخطيرة
فمثل هذا محله أن يلزم غرزه؛ ويتلمس طريقه وحده خلف من يقلدهم لعله يهتدي؛ أما أن يكون المقلد مفتيا يسحب من يغترون به إلى تقليد من يقلدهم في أخطر المسائل؛ويدعو الناس إلى تقليد الرجال فيها ؛فهذه مزلة ومهزلة.
قال العلماء المحققون:(لَا يَجُوزُ الْفَتْوَى بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ،
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ عَالِمٍ)
وذكروا ( أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى لِنَفْسِهِ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْعَالِمُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ وَغَيْرِهِ …
قَالَ الْقَاضِي: ذَكَرَ ابْنُ بَطَّةَ فِي مُكَاتَبَاتِهِ إلَى الْبَرْمَكِيِّ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا سَمِعَ مَنْ يُفْتِي، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ لِنَفْسِهِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ لِغَيْرِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ فَلَا).انظر اعلام الموقعين(1/37) لابن القيم رحمه الله :عن [الْفَتْوَى بِالتَّقْلِيدِ]

ومعلوم أن العلماء كما ذكر ابن القيم وغيره َكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُقَلِّدَ الْإِمَّعَة؛َ وَمُحْقِبُ دِينَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْإِمَّعَةُ الَّذِي يُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ الْأَعْمَى الَّذِي لَا بَصِيرَةَ لَهُ، فكيف يرضى طالب الحق أن يتابع أعمى وإمعة في أخطر مسائل الدين⁉️
ومثل هذا سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ حَاطِبُ لَيْلٍ؛لأن من يقلد غيره فهو كالمتبع على غير بصيرة ولا نور؛وكالمحتطب في الظلام ربما التقط العقرب والحية والبعرة ظنا منه أنها حطب.
وقال غيره من العلماء: لا يقلد من أهل العلم إلا عصبيٌ أو غبي.
وقال ابن الوزير في العواصم من القواصم (3/123):(وقد أجمعَ العلماءُ قديماً وحديثاًً أنَّ التَّقليدَ ليس بِعِلْم، والمقلِّد ليس بعالِم)ٍ.

وكانوا يُسَمُّونَ الْمُقَلِّدِينَ أَتْبَاعَ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ صَائِحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَرْكَنُوا إلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، كَمَا قَالَ فِيهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَه.
ولذلك أنشد الشاعر:

لا فرق بين مقلد وبهيمة*تنقاد بين جداول ودعاثر

تبًا لقاض أو لمفت لا يرى*عللاً ومعنى للمقال السائر

فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة* المبعوث بالدين الحنيف الظاهر

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on