التطاول على العلماء وعلى أئمة الدعوة النجدية ” إذا بَلَغَ الماء قلتين لمْ يَحمل الخبث “

 

سؤال :

شيخنا الفاضل نسأل الله أن يجعلك ممن يذودون عن التوحيد ورجاله..

بعد أن كثر تطاول بعض الشباب المنتسبين للتيار الجهادي على بعض العلماء قلنا لعلها سحابة صيف تنتهي عما قريب، فتبعتها طامة أعظم وهي التطاول على سلفنا الصالح أئمة التوحيد وأعلامه؛ أئمة الدعوة النجدية ..

فقد علقوا فيهم كل أسباب الغلو التي حدثت مؤخراً..فما نصيحتكم لهؤلاء
وما نصيحتكم لطالب العلم تجاه هذا الموروث القيم؟

♦️ الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.. 

 
للأسف بُلِينا في هذا الزمان بكثير من المتعالمين الذين يُحاولون أن ينسفوا جهد كثير من العلماء والدعاة؛

فبمجرد أن يجمع أحدهم كتابا جَمْعَ الورّاقين؛أو يكتب مقالا بطريقة القصِّ واللصق! حتى يظن نفسه قد تَزَبَّبَ ولمَّا يتحصرم بعد!
والعيبُ في ظني ليس في جهل هؤلاء فقط؛ بل وفي قِلَّة تربيتهم..
فلو أنّهم عرفوا العلم وجالسوا العلماء؛ لتخلّقوا أولا بأخلاقهم قبل أن يتعلموا العلم ؛

ورحم الله أمَّ الإمام مالك حين كانت تُعَمِّمه وتُرسله إلى مجلس ربيعة الرأي؛ وتقول له:

( إذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبِه قبل علمه.)
فحبذا أن يُوَجِّه المشايخُ طلبتَهم ومقلِّديهم إلى هذا.

ثم أقول؛

إن للدعوة النجدية ولأئمتها عموما في زمانهم وزماننا فضلا لا يُنكره إلا جاحد أو جاهل ؛ فقد جدّدوا لدعوة التوحيد منارها ؛وأنكروا الشرك وسعوا في هدم قِبابه ؛ حتى حصدوا يَبابه..وكان لهم دور عظيم في إخراج كثير من بدو الجزيرة وما حواليها من ظلمات الشرك التي طمَّت وطَغَت في القرون الأخيرة ..
وكثير من تراث الجماعات الجهادية اليوم وأدبياتها استقت منهم، واستفادت من دعوتهم وكتاباتهم ؛

ولا يُنكر هذا إلا من لا يعرف منابع ومصادر جُلِّ كتابات التيار الجهادي.

والعبد الفقير نَهَل من كتابات أئمة الدعوة النجدية حتى تَضَلَّع منها ؛فكنتُ في بداية التّوجّه لا أكاد أرى كتابا لهم إلا اقتنيته أو استعرته ؛ ثم جردته واستخرجت فوائده بالمنقاش ؛حتى وصلت إلى مرحلة من التشبّع والانصباغ بكتاباتهم بل وبأسلوبهم ؛ بلغت إلى أن صرت كلما قرأت لهم جديدا لم أجد فيه جِدَّة وألفيته مكرّرا..
ومن طالع باكورة كتاباتي وكثرة نقولاتي فيها عنهم ؛علم جزءا من هذه الحقيقة..
حتى قال بعض الصحفيين من ألدِّ أعدائي في الجزيرة:

( إنّ ما فعله المقدسي في كتاباته أنّه جاء إلى عقيدة الولاء البراء في كتب أئمة الدعوة النجدية والتي كانت قد أصابها الخمول في زماننا؛ فهزَّها هزاً عنيفاً حتى أيقظها!)
والفضل ما شهدت به الأعداء.

وإذا كان الأمر كذلك فيحقّ لي أن أدليَ بدلوي وأقول في أئمة هذه الدعوة وأدبياتها ومشايخها ما لا يحق لسواي؛إلا أن يكون قد وصل مع كتاباتهم إلى ما وصلت إليه ؛ وكان منطلقه العدل والإنصاف ؛ ولا أدّعي التفرّد في ذلك بطبيعة الحال .

♦️ أئمة الدعوة النجدية لهم قدم السبق في زماننا في الدعوة للتوحيد وإحياء عراه الوثقى ،ونفض غبار الشرك عنها ،وإزالة سوافي الجهل منها.
وفي هؤلاء الأئمة نجوم زاهرة، وجبال شامخة، وبحور لا تكدرها الدلاء ،

كإمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وحفيده الشيخ سليمان بن عبد الله وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن ونحوهم مما ليس هذا مجال إحصائهم..
ثم جاء بعدهم من أحفادهم وطلبتهم من دافع عن دعوتهم بعلم ؛وذب شبهات الحاقدين عنهم في الحرب والسلم ؛ وبرز في ذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وأمثاله..

ومن لم يقرأ لهؤلاء وطبقتهم لم يعرف الدعوة النجدية ، ولا ميّز أئمتها..

ولقد كان جل خصوم هؤلاء الأئمة من المشركين والقبوريين، أوالمبتدعة وسدنة الأضرحة والقباب ، وقليل من الأفاضل الذين نُقِلت لهم صورٌ مشوهة في عصرٍ لم تنتشر بعدُ فيه كتاباتُهم انتشارها اليوم ؛

فربما اغتر البعض بتلك النقولات فأساؤوا الحكم عليهم ؛ ومعلوم أنّ بعض أولئك الأفاضل رجع واعتذر.

أما غالبية أعدائهم على مرِّ السنين فمن الصنف الأول.

فوُجِد فيهم من شََنّع عليهم بسبب نهيهم عن دعاء الأولياء والاستغاثة بالأنبياء وشدّ الرحال إلى قبورهم واتخاذها عيدا ؛ فاتهمهم بسبب ذلك بأنهم يُبغضون الأنبياء ولا يُوقِّرونهم ،

أو أنّهم يُنكرون الشفاعة والمقام المحمود والوجاهة التي أكرمهم الله بها!

ومنهم من شَنّع عليهم وادعى أنّهم ذمّوا مكة وأساؤوا إليها؛ لفتوى بعض أئمة الدعوة التي وصفتها بدار الكفر اصطلاحا حين كثرت فيها الشركيّات والقبور التي تُدعى من دون الله ؛وحين كان يؤذن فيها لبدع بعض الحجاج ومنكراتهم كقصة المحمل المصري وأشباهه، يوم كانت تحت حكم بعض الأشراف!

مع أنّ ذلك لا يُنافي تعظيم مكة ومحبّتها كما كان حال النبي ﷺ معها يوم هاجر منها وقد مُلئت بالشرك والأوثان ؛ وهي أحبّ بلاد الله إليه.

ومنهم من شنّع عليهم حين غزوا مكة وهي على تلك الحال!

ومنهم من شنّع عليهم فهمهم الصحيح لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وأنكر كلامهم في شروطها،

وتحذيرهم من نواقضها،حتى سمّوها (العوجا) ذمّا للتوحيد الصحيح ووصفا له بالعوج!
وما أشبه الليلة بالبارحة!

وغير ذلك مما تصدّى له أحفاد أئمة الدعوة وطلبتهم بالبيان والتفصيل والرد والتأصيل.

ثم إنّ في متأخريهم من علماء الدولة الثالثة من جمع بين خيرٍ ودَخَن؛ وأكثر دخنهم في التنزيل لا في التأصيل؛ وأقول (أكثر) ؛ لأنهم لم يسلموا من هَنَّات، وقد كنتُ قد أشرت إلى شيء من هذه الهَنّات، التي أنكرتُ سكوت بعض من يتّهمنا بالغلو عليها؛وبيّنت أن سكوتَهم سببه كونها من الفتاوى السلطانية!

وهذا كان أحد سياقات كلامي على بعض هنات وأخطاء متأخري علماء الدعوة النجدية، واستغله البعض وشغب فيه رغم أنه مُحدَّد ؛ومحدود،و لم يُهدر ما عندهم من علم ولا غمطهم فيما نصروا فيه الحق؛ بل أَشَدْتُ واستشهدت بمواقفهم وكتاباتهم وإنكارهم على الحكام ونحوهم ؛مما لا يخفى على من طالع كتاباتي (كالكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)مثلا.

وأما من يتطاول على أئمة الدعوة النجدية اليوم، ويغمطهم حقهم؛

بل ويُحمِّلهم مسؤولية شذوذ الغلاة وأخطاء جماعة الدولة وغيرهم ؛

فخلافه لهم ليس من جنس مؤاخذاتنا المعدودة والمحدودة ؛ بل أغلبه من جنس خلاف أعداء التوحيد والمبتدعة الأوائل ؛ الذين شنّعوا على الإمام محمد بن عبدالوهاب دعوته للتوحيد وبراءته من الشرك وأهله ؛

فكما اتَّهم أولئك المبتدعة الإمامَ وأولادَه وأحفادَه بتكفير المسلمين؛

اتهمنا واتهمهم بذلك هؤلاء الخوالف أيضا!

ولا غرابة فهذا ميراث أعداء دعوة التوحيد في كل زمان؛

فقد رموا بمثل ذلك الأئمة في الأزمنة المتقدمة؛ فكيف لا يرمون أتباعهم في الأزمنة المتأخرة بعد أن عاد الدين والتوحيد غريبا !؟

وأعداء التوحيد وشانئو دعاته لمَّا جهلوا التوحيد ؛ولم يميّزوه عن التنديد ؛أسخطتهم دعوة الأئمة إلى التوحيد ؛وقالوا: وهل الناس مشركون ؟ حتى تدعونهم إلى التوحيد⁉️
وهاهم اليوم يُكرّرون المقولات والدعاوى والأسئلة الإستنكارية نفسها علينا لدندنتنا على التوحيد!
( أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون )

 والخلاصة أنّ طُعون الخوالف من أعداء دعوة التوحيد على أئمة الدعوة النجدية وكتاباتهم ليست من جنس ملاحظاتنا نحن على كتبهم،

ولا منطلقاتهم توافق منطلقاتنا ؛

بل طعونهم عليهم لإسقاطهم كمرجعيّات للشباب؛ وللصدّ عن كتاباتهم التي أحيت دعوة التوحيد، وأنعشت عُرى الولاء والبراء ،فهي من جنس طُعون المداخلة والمرجئة وعلماء السلاطين في كتابات سيد قطب التي أبرزت توحيد الحاكمية وحذّرت من شرك القوانين ؛وجدّدت عقيدة الولاء والبراء،

فجُلّ طُعونهم كانت لصدِّ الشباب عن كتابات سيّد التي عرّت ولاة أمورهم.

ونحن لنا ملاحظات يسيرة كذلك على كتابات سيد ليست هي مما يعاديه لأجله أولئك المتخلّفون ؛

ولا منطلقاتهم في عداوتهم كمنطلقاتنا في ملاحظاتنا ،وسيد قطب وأئمة الدعوة النجدية ليسوا بمعصومين؛

ولكن أخطاءهم تنغمر في بحر حسناتهم ،وقد قيل:

كفى بالمرء نُبْلاً أن تُعَدُّ معايبه.

و(إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخَبَث).

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on