دعوة إلى ضبط مسألة القتال مع الأمير الفاجر

دعوة إلى ضبط مسألة
القتال مع الأمير الفاجر

 

 

معلوم عند أهل السنة والجماعة جواز القتال مع الأمير الفاجر لدفع العدو الكافر في حال لم يتوفّر الأمير الصالح لدفعه، ولم يُمكن الجهاد الا مع الفاجر..
هذه المسالة مشهورة عند أهل السنة والجماعة، وقد تكرّر ذكرها عندهم في كتب الفقه بل والعقائد حيث خالفوا بها أهل البدع، وهي مسالة مبنية على قاعدة دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما .
قال شيخنا ابن تيميه في الفتاوى (28/506) :   (مِن أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي ﷺ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع معسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين ؛ إما ترك الغزو معهم ؛فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين و إقامة أكثر شرائع الإسلام ،وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه). اهـ

 

فهذا أمر معلوم عند أهل السنة والجماعة، وقد بنى عليه كثير من شبابهم في زماننا مشاركاتهم في كثير من جبهات القتال .. كما بنينا عليه تأييدنا لبعض الطوائف أو تجويزنا الاندماج معهم..

ولكنّ هاهنا قيدان ؛أحدهما يُهمل ،والآخر يَخفى ويُجهل.

 أما الأمر الذي يُهمل: فهو القيد الذي ذكره العلماء في فقههم لهذه المسألة؛ وهو أنْ لا يُمكن القتال ،ولا يتفق دفع الكافر إلا مع أمير فاجر أو عسكر فيه فجور؛فإن تيسّر القتال وأمكن دفع الكفار مع الأمير البر والعسكر الصالحين؛لم يعد ثم داع لطرح هذه المسألة، ولم يَسُغْ ترك إمارة البر والقتال مع الفاجر.

 أما الأمر الذي يَخفى ويُجهل وأرغب بالتنبيه عليه وضبطه هنا فهو كون المقصود ” بالأمير الفاجر ” الذي جوّز أهل السنه الغزو والقتال معه دفعا للعدو الكافر في حال عدم إمكان دفعه إلا بالغزو مع ذاك الفاجر..
المقصود بالفاجر هنا هو ذاك الذي يكون فجوره على نفسه كمن يتعاطى بعض المعاصي التي لا تضر بالمسلمين، فهذا هو الأمير الذي جَوّز أهل السنة الغزو معه وتحمّل فجوره لدفع العدو الكافر، بدليل اعتمادهم في ذلك على قاعدة دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فذلك صريح بأن شرط جواز الغزو مع الأمير الفاجر منوطٌ بكون مفسدته قطعا أدنى من مفسدة الكافر ؛ولذلك احتملت لدفع ما هو أعظم منها في حال عدم إمكان رد العدو الكافر إلا بالأمير الفاجر ..

بخلاف ما إذا كان فجور الأمير وضرره متعديا إلى الإضرار بالمسلمين ؛بحيث تكون مفسدة تأميره أو الغزو معه مساوية أو أعظم من مفسدة ترك قتال الكفار، فليس هذا الفاجر مقصودا عند أهل السنة في مقولتهم تلك .
ولو تأملت أقاويلهم في هذا الباب و القاعدة المتقدمة التي اعتمدوا عليها في هذه المسألة، لما شككت في هذا التفريق طرفة عين ..
فلما سُئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى ؟
قال : أما الفاجر القوي فقوّته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وروي :بأقوام لا خلاق لهم ..) اهـ. مجموع الفتاوى (28/255).
فتأمل قول الإمام (وفجوره على نفسه) لتفهم عمّن يتكلمون..
ومثل ذلك ما ذكره ابن قدامة عنه في المغني (إن كان القائد يُعرف بشرب الخمر والغلول يُغزى معه ؛إنما ذلك في نفسه)اهـ

إذا تقرّر هذا وعُلم أنّ مسألة القتال مع الأمير الفاجر التي هي بالأصل في حال عدم توفر الفاضل لدفع الكافر ؛ مقيّدة بأن يكون فجوره على نفسه؛غير متعدٍّ إلى الإضرار بالمسلمين، وكون الفساد الذي قد يترتب بتأميره أدنى من فساد الكفار المراد دفعهم ..
وأنه في حال كون فساد الأمير الفاجر وضرره على المسلمين إما مساوٍ لضرر الكفار أو زائدا عليه ؛ فلا يسوغ شرعا ولا عقلا القتال مع هذا الفاجر ؛لأن القاعدة التي أنيط بها هذا الحكم لا تنطبق حينئذ عليه، فهو ليس أدنى المفسدتين حتى يُحتمل لدفع أعلاهما ..
أقول: إذا تقرّر هذا فمن باب أولى أن لا يُزجّ تحت هذه القاعدة ويُحشر فيها أولئك الأوغاد من الأمراء الذين يتسلقون إلى أمجادهم وعروشهم الطاغوتية على جماجم الشهداء وفوق أشلاء الأبطال وهم يُعلنون دون مواربة عن توجّهاتهم وأفكارهم وخططهم المستقبلية في الحكم ،والتي تتبنى الديمقراطية ،وحاكمية الجماهير،ودولة الدستور والقانون

أو تؤاخي وتوالي طواغيت العرب والعجم!! وتتحرك بتوجيهاتهم ؛ولا بأس عندهم من دغدغة عواطف الشباب بخطاب ذي صبغة وشعارات إسلامية ممزوج بالتكبير ؛ لاستدراجهم إلى جبهاتهم ،أوسحبهم إلى معسكراتهم وفصائلهم وجماعاتهم، والاستحواذ على دعمهم وتبرعاتهم ..
هؤلاء الدجاجلة واللصوص، لا شك عندي أنهم من الأئمة المضلين أو الدجاجلة الذين أخبر النبي ﷺ أمته عنهم وحذّرها منهم ؛ فهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وقد يستعملون خطابنا ويستشهدون بآياتنا وأحاديثنا حين يحتاجون لذلك !

ولو أن الشباب تدبروا تصريحاتهم خصوصا تلك التي يُدلون بها إلى إخوانهم وأوليائهم الذين كفروا من الطواغيت ، ولو تأملوا مدحهم للطواغيت وجدالهم عنهم ؛لما انطلت عليهم ألاعيبهم ،ولما خُدعوا بهم أو صاروا لهم جندا محضرين ،وصُدموا بعد فوات الأوان .. فالمؤمن كيّس فطن ؛ ويجب أن يكون حريصا على هذه الروح ؛وأن يتّق الله فيها فلا يزهقها إلا حيث يتيقن نصرة دين الله، فهو لا يملك أرواحا يجرب بعضها هنا وبعضها هناك، فإنما هي روح واحدة فليشحّ بها أن يمنحها للدجاجلة أو يُزهقها في سُبلهم، خاصة حين تُقام عليه حجته بوجود السبيل الواضحة ،وتوفّر الأمير الذي يُقاتل تحت الراية الموحدة والغاية الشرعية التي تسعى علنا لتحكيم الشريعة ،وتقاتل لتكون كلمة الله هي العليا..
وليتذكّر أنه ما من نبي إلا وقد حذّر أمته من الدجال ؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ وأنه عليه الصلاة والسلام قد أوصانا ان نتعوّذ من فتنة الدجال في دبر كل صلاة؛ وما ذلك -كما ذكر شيخ الإسلام- إلا لأن جنس فتنته وخبثه ومخادعته واستعماله بعض شعارات الدين في حرب الدين وأهله ؛موجودة في دجاجلة كل زمان .. فلنحذرها.

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on