في حنين ثبتت النخبة؛ وولّى أكثر مسلمة الفتح مدبرين

في حنين ثبتت النخبة؛
وولّى أكثر مسلمة الفتح مدبرين

تلى أبو هريرة رضي الله عنه:قوله تعالى ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً )
فقال: والذي نفسي بيده إنّ الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا}

قدّمتُ بهذا الأثر المشهور ؛حتى لا يذهب أحمق بكلامي إلى غير اتجاهه؛ مُدّعيا أني كفرت الأمة!

ولأقول:

هل الأمة بعد عقود من تلويث الطواغيت لثقافتها!
وتحريف علماء السلاطين لدينها!
ورتع التصوف في أَرجائها!
وعبث الإرجاء في عقيدتها!
وتتالي الإحباطات والهزائم الحسّية والمعنوية عليها؛

هل تراها اليوم مهيئة لتبعث جهادا يحلم به بعض الجهاديين أو غيرهم من السياسيين والمنظرين؛ لتكون مطيَة ذلولا لهم ؛تُحقّق أحلامهم ، وتُنجز لهم مآربهم النبيلة،وتوصلهم بأمان إلى غاياتهم العظيمة..!؟

إن الإتكاء على أمةٍ أكثريّتها خَذلت دينَها وعلماءها وأوطانها ؛وخَرَجَت مرارا وتكرارا تهتف لجلاديها وتصفق لهم؛
إن الإتكاء والتعويل على نصر أمة -هذا حالها-للإسلاميين! فضلا عن الجهاديين مزلّة عظيمة ؛أسقطت من اتكأ عليها وزجّت ببعضهم في السجون ..

لقد ظن الإخوان المسلمون المصنَّفون كمعتدلين؛أنهم بامتطاء ثورة الأمة في مصر قد وصلوا بذلك لحلمهم ،وأنهم على وشك أن يُحقّقوا غاياتهم
،وإذا بهم يُجمعون في سجن العقرب مع مرشدهم ورئيسهم المنتخب ديمقراطيا من قِبَل الأمة المصرية!
وفي اليوم التالي خرج جمهور هذه الأمة يهتف ويرقص لجلادها؛ ويلعن الإسلاميين ! ويضع بعضهم الحذاء العسكري على رأسه!

لقد كان معدنُ العرب حين بُعث فيهم خير الناس ﷺ أنقى مما عليه العرب اليوم ..
وكانت أخلاقُهم أنبل وأكرم مما عليه كثير من العرب اليوم؛ ومع ذلك وقف أكثرُهم في وجه النبي ﷺ المصطفى ولم يتابعه على نصرة دينه وتحقيق غايته إلا خلاصة الخلاصة ؛ النّزاع من القبائل؛ الذين حاربهم أقوامهم وآذتهم عشائرهم وعذبتهم وحاصرتهم إلى أن اضطرتهم للهجرة ثم قاتلتهم!
ولم تدخل العرب في دين الإسلام أفواجا ؛ وتناصر مشروع هذه النخبة ؛ إلا بعد أن جاء نصر الله والفتح ؛وعاينته العرب وهو يقترن بمشروع النخبة! فانحازت عندئذ إلى الفاتحين المنتصرين

وإن الله ليزع بالسلطان والغلبة ما لا يزع بالقرآن..
ومسلمة الفتح هؤلاء كان دخول كثير منهم إلى الإسلام من جنس دخول المغلوب في دين المنتصر!
ولذلك لم تُغن كثرتهم شيئا حين سايروا جهاد النخبة! بل وَلَّوا مدبرين ؛ ولم يثبت في حنين إلا نخبة النخبة(أصحاب بيعة الشجرة)!
ثم تتابعت وفود العرب بعد الفتح؛ تبايع وتدخل في دين الله أفواجا

تتبع الدين الذي انتصر أهله وغلبوا وهيمنوا على أم القرى..!
ثم ما لبث أكثر هؤلاء أن خرجوا من دين الله أفواجا مع أول هزة جاءتهم بوفاة النبي ﷺ؛
فكانت ردة العرب التي تَصدَّى لها الصديق ومن معه من النخبة أيضا!
حتى أناموا رؤوس المرتدين بالسيف، وعاد الناس لدين الله بتغلّب النخبة وقيادتها من جديد.

هذه النخبة الفاعلة في كل زمان هم الرواحل الحقيقية التي تحمل الدين وتبلغ به الغاية..
وهم الذين أثنى عليهم النبي ﷺ ؛بينما ذمّ عموم الناس
كما في صحيح البخاري عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً )
قَالَ ابن بَطَّالٍ: (مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ ، وَالْمَرْضِيَّ مِنْهُمْ قَلِيلٌ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِهِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ)اهـ

لقد ثارت الملايين في مصر وتونس وغيرها من بلاد المسلمين،ورأينا حشودا خرجت وحَطّمت وحَرقت وهتفت ؛كان باعثها الرئيسي هو الجوع والخبز ؛حين أشعل النار بنفسه صاحب عربة مُنِع من الترزّق عليها!!
فتبعته الأمة زرافات وجموعا يهتفون لسقوط الطغاة؛
ثم ما لبثوا أن أقاموا طغاة غيرهم! فانطلى عليهم مجرد تغيير الوجوه ؛
وحتى لو عادوا للثورة بعد حين فالذي يُعوّل على من تُرضيه بعض الإصلاحات التي لا تعدوا كونها عمليات تجميل للأنظمة الحاكمة ؛ قد ذُهِل عن أن مطلوب الجهاديين وغايتهم العظمى المتمثلة بالكفر بالطواغيت وتحقيق حاكمية الشريعة؛ لن تتحقق أبدا بمئات عمليات التجميل والترقيع لهذه لأنظمة !
ومن ثم فإن ما يُرضي جماهير الأمة،ويُضحَك به عليهم في كل ثورة ؛ ليس هو ما يَسعى إليه الجهاديون ؛
وعليه فلا يمكن لهم بحال أن يصلوا إلى مآربهم؛ بأن يذوبوا في الأمة والمجتمع

وإذا كان هذا الذوبان يرتضيه بعض السياسيين والدكاترة والمنظرين الذين تبرر الغاية عندهم الوسيلة،فإن من كانت غايته التوحيد ووسيلته الجهاد لا يرضى بهذا الذوبان..!!

لقد كانت الأمة في زمن الإمام أحمد رحمه الله أقرب إلى الدين وإلى زمن النبوة منها اليوم ؛ وكان العلماء أوفر منهم اليوم .. وكان التمسك بالدين أشد منه اليوم، ويوم تُوفي الإمام أحمد روى غير واحد: أنَّ مَنْ حَضَر جنازته تجاوزوا ألف ألف .
يعني قرابة مليون وزيادة .. ولم يكن سلاح السلطة وقتها بفاعلية وردع أسلحة السلطات اليوم ؛ومع ذلك خَذَلَ جمهور الأمة الإمام ومن معه من النخبة؛ الذين ثبتوا على الصدع بعقيدتهم ؛
وتَفرّجوا عليهم وهم يُقتلون ويُسجنون ويُضربون ويعذبون ليوافقوا الخليفة والطغمة المبتدعة معه على بدعتهم! !
هل نقول أن سبب خذلان الناس للإمام أحمد كان بسبب انطوائه وانعزاله عن الأمة،وأنه كان مثاليا؛ بعيدا عن الواقع؛ يخاطب النخبة!؟
كيف وقد خرج في جنازته هذا العدد الهائل المشهور!؟

إن الاعتناء بالأمة وإعطاءها حُصة الأسد من دعوتنا ؛ من الأهداف المهمة التي ينبغي أن يتنبّه إليها العلماء والدعاة والجهاديون..
أما الإتكاء عليها والذوبان فيها ؛بأن ننساق وننجرف مع تيارها الذي لا يثور إلا لأجل الخبز ..
فعاقبة ذلك ستكون إما:
-تيارا كتيار النهضة الذي لا كوابح عنده في تونس..
-أو تجربة كتجربة مرسي وجماعته في مصر..
-أو كبعض قادة الجهاديين الذين رضوا بمنصب عوضا عن جهادهم في ليبيا..
ونحوهم..
فرغم تَنوّع التيارات في هذه التجارب ؛ إلا أن النتيجة واحدة؛ وهي سقوط التجربة وفشلها..

إذن فالصواب ليس بأن يذوب الجهاديون في المجتمع الآسن ؛وينساقوا مع الأمة في تجاربها المنحرفة؛
بل أن يَسعوا ليُذيبوا من يقدروا على إذابته من المجتمع في تيارهم..
ليكونوا النخبة المؤثرة التي تقود هذا المجتمع ،والرواحل النُجب التي ستحمل مشروع الأمة حتى توصله للغاية..

ولا يعيب هذه الطريق طولها ولا بُطؤها؛ كما لا يعيبها حاجتها إلى التغلب في خاتمة المطاف؛والسفيه هو الذي يعيب التغلب ويمنع منه الجهاديين؛ وهو يرى أن جميع الأنظمة وطواغيتها متغلبة قاهرة للأمة ؛تفرض عليها طغيانها وكفرها. ..
وأن تصل لغايتك النظيفة متأخّرا ؛ خير من أن لا تصل إليها أبدا ؛ أو أن تنحرف إلى غاية آسنة!
ويَتعَزّى أهل هذه الطريق ويتصبّرون دوما بما يعرفونه مِنْ أنّ النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان ،والنبي يأتي وليس معه أحد.
أما أكثرية المجتمع، وأكثرية الثوار ،وأكثرية المتظاهرين،وأكثرية المنتخبين،
وأكثرية الناس ،وأكثرية الجماهير..
فمن يُعَوِّل عليها ، أويطلب من الجهاديين الذوبان فيها ؛ فقد ذهل عن كثير من الآيات التي بيّنت حالها..
كقوله تعالى :{ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون}
وقوله سبحانه: {قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون}
وقوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}
وقوله تعالى:(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)..
أفيريدنا البعض أن نذوب فيمن لا يعلم ولا يعقل !
أم أنّ الواجب أن نُحافظ على تميّزنا لنكون لهم قدوة حسنة ،ونسعى لنقودهم إلى ما يوجبه العلم والشرع والعقل !
وهذا الداعي إلى الذوبان في الأمة لم يستحضر ما رواه الترمذي وغيره عن ثوبان قال رسول الله ﷺ : ( لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان )
فهل يريد هؤلاء منا أن نذوب في عموم الأمة والمجتمع؛ وأن نلحق بما لحقت به هذه القبائل! ونشاركها في شركيّاتها العصرية!؟التي ضربت بأطنابها في مجتمعات اليوم!؟
بل الواجب أن نَسعى لإنقاذها مما سقطت فيه؛وأن نُذيب من استطعنا منها في تياراتنا ونُلحقها بجهادنا ؛ ليشاركوا النخبة في قيادة الأمة إلى أمجادها.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on