سلسلة حتى لا تضل البوصلة(٥)

سلسلة حتى لا تضل البوصلة(٥)

 

‏? سؤال:-هل يجوز محبّة الكفار ومودّتهم أو موالاتهم إنْ كانوا لا يُحاربون المسلمين⁉️
-وما هو الميزان الدقيق الذي نَزِن به في مثل هذه الأمور⁉️
?الجواب: لا يجوز مَحبّة الكفار ماداموا على كفرهم أو شركهم؛ بل تجب البراءة منهم ومن شركهم؛ويجب بغضهم وبغض كفرهم في القلب على أقلّ تقدير لمن أراد أنْ يُحقق التوحيد الذي هو حقّ الله على العبيد؛أمّا من شاء أن يكون من الطائفة الظاهرة القائمة بأمر الله فلا بُدّ له من إظهار ذلك وإبدائه.
فالبراءة من جميع الكفار والمشركين والبراءة من شركهم؛ وبغضهم يتضمنّها شِقّ التخْلية أو النفي الذي هو نِصْف شهادة التوحيد(لا إله إلا الله)
ولذلك كانت أوثق عرى الإيمان والتوحيد: المولاة في الله والمعاداة في الله؛والحب في الله والبغض في الله؛وهي موزعة على شقي النفي والإثبات في كلمة التوحيد.
وتعرية الإيمان والتوحيد وقصقصة جناحيه من هذه العرى الوثقى؛تَحْرِم المسلم من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ وتجعله لا يُفرّق في التعامل بين الكافر والمسلم؛ويَتدرّج به الشيطان حتى يَصل إلى التسوية بين المسلمين والمجرمين في المحبة والموالاة والحقوق والواجبات
وانظروا إلى ما آلت إليه أحوال من يَسعى إلى تمييع بُغْض المسلم للكفار وإلغائه من قلوب المسلمين؛كيف يجلس وينام في أحضان الطواغيت ويُثني عليهم ويُرقّع لهم ولأنظمتهم؛وكيف اختلّ عنده ميزان التوحيد فأمسى يُخَطِّئ من يَتمسّك بلوازم التوحيد وعُراه الوثقى؛ويُجوّز مودّة الكفار❗️بل ونصرة جيوشهم وتكثير سوادها؛وليس هذا وقفاً على جيوش طواغيت العرب؛بل بَلَغ به الأمر إلى تجويزه المشاركة بجيوش الصليبيين
وسوء هذا المُنقلب والمآل؛يُستدل به على فساد التقعيد والتأصيل والحال
وهؤلاء لو فَقِهوا ملّة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ما رَغِبوا عن عُراها الوثقى ولا مَيّعوها؛وقد قال تعالى:(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)
فمهما وُصِفَ الراغب عن ملّة إبراهيم بالحكمة والفقه والعلم والفهم ونال الشهادات والألقاب؛فلا يُغني ذلك عنه شيئا؛وقد حَكَمَ الله عليه بأنّه قد سَفِهَ نفسه
?يقول الله تعالى آمرا لنا أن نتأسى بملة إبراهيم:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه)
?فملة إبراهيم قد أوجبت البراءة من الكفار ومعبوداتهم؛وجَعَلت العداوة والبغض في الله المنافي للمحبة والمودة مَمدوداً مُستمرّا بيننا وبين عموم القوم الكافرين ?حتى يُؤمنوا بالله وحده؛أي حتى يُحقّقوا التوحيد ويبرأوا من الشرك والتنديد؛وهذه البراءة والبغضاء قد خاطب وواجه بها إبراهيمُ والذين معه قومَهم وأقربَ الناس إليهم.
?وقد جعل الله التوحيد لنا ميزاناً دقيقاً نَزِنُ به الأشخاص والجماعات؛فبمقدار تحقيق الإنسان للتوحيد يَقْرُب إلينا ويُحبّ في الله؛وكُلّما ابتعد عنة التوحيد ابتعد عنا؛وحين ترانا نُقَدّم شخصاً حليقاً على شخصٍ ملتحي؛ فاعلم أنّ الذي قَدّمه تحقيق الحليق للتوحيد وتفريط الملتحي به
وعندما نَترحّم على مبتدع ولا نفعل مع آخر؛فاعلم أن بدعة الأول لم تناقض التوحيد؛وبدعة الثاني قد ناقضته
فهذا هو ميزاننا الدقيق:التوحيد؛تَحِلّ به عُقَد ما استشكل عليك من كلامنا؛ولن تجد فيه إن شاء الله تناقضاً مادمتَ تربطه بالتوحيد وتعرضه عليه.
?وميزاننا هذا أخذناه من أعظم عُرى الإسلام التي فيها نُحِب ونُبغض؛وعليها نُعادي ونُوالي ؛ومِنْ أجلها نَمْنَع ونُعطي؛ونَرفَع ونَخفض.
وفي الحديث الذي يرويه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : (يُصَاح برجلٍ من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق. فيُنشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مَدّ البصر.
ثم يقول الله عز وجل: هل تُنكر من هذا شيئاً؟
فيقول:لا يا رب،
فيقول:أظَلَمَك كتَبتي الحافظون؟
فيقول: لا يا رب.
فيقول:أفَلَك عُذر؟
فيقول: لا يا رب.
فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة؛فإنه لا ظُلْم عليك اليوم؛فتُخرج له بطاقة فيها:(أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله)
قال، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟
فيقول: إنك لا تُظلم.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة. فطاشت السجلات،?وثقلت البطاقة).

فهكذا ميزاننا أهل #التوحيد وأنصاره؛ وبهذا نَزِن الأقوال والأعمال؛وأنواع القتال وبه نَزِن الكتابات والكُتّاب؛والعلماء والجماعات؛ والفصائل والناس أجمعين.. فلا نُقَدِّم على تحقيق كلمة التوحيد واجتناب الشرك والتنديد شيئاً من الأشياء..
فمَنْ حَقَّق ذلك وقام به؛نال الزلفى عندنا، وله العذر كما هي طريقة أهل السنة فيما أخطأ فيه أو تأوّله فيما هو دون ذلك، ولا

يمنع هذا من بيان أخطائه أو التنبيه على زلاته؛ نُصحاً لله ولدينه وللمسلمين.
ومَنْ ثَلّمَ هذا الأصل الأصيل أو مَيَّع شيئاً من عُراه الوثقى؛ابتعد عَنّا بقدر ما مَيّع منها؛ومَنْ هَدَمها فهو المُبْعد عندنا المؤخَّر؛وإن عَظّمه الناس وقَدّموه، ولا يمنعنا من التحذير من ضلاله وبيان خطله وزيغانه؛ تَعدّد ألقابه أو عِظَم عمائمه وشهاداتة؛أو مَحبّة الناس له وثناؤهم عليه
هذا هو ميزاننا العادل الُمنزل من عند الله؛ وليس ما سواه من الموازين وإن عَظّمها وقدّمها وضخّمها مَنْ ضخّمها!!
وإن شئت أن تعرف عِظَم شأن هذا الميزان؛ فتأمل منهاجنا الذي هو ثمرة ميزاننا.. ثم تأمل مناهجهم فإنها ثمرة موازينهم.
فإذا عرفت الحق بأدلّته؛وأنَارَ الله به بصيرتَك؛فالزمه ولا تُعَكِّره بكلام مُتفلسفٍ؛أو تُقدم عليه كلاماً عاطفياً؛أو تُهْمِله تَضرّرا بالمخالفين ؛فتَزلّ وتَشقى.

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on