التفصيل التفصيل: اقرنوه بالتأصيل

التفصيل التفصيل

اقرنوه بالتأصيل

من اطلع على فوضى التكفير في زماننا؛والجرأة في تنزيل أحكامه دون علم أو ورع؛علم الحاجة للتفصيل وأهميتها.

فقد انقضت حقبة الإختصار؛والكلام الدعويّ المعبيء للجهاد؛والخطاب المحمّس للشباب؛وأشبعت بما فيه الكفاية لإيقاظهم من سباتهم؛وطفحت بذلك كتابات الإسلاميين عموما والجهاديين خصوصا؛حتى اقتحمها الدخلاء؛ودسّوا فيها غلوهم وشذوذاتهم؛ولذلك فقد جاء وقت التفصيل؛لتمييز الغث من السمين؛وتنقية أذهان الشباب من إساءة أفهام الكثيرين لهذا الخطاب التعبوي الحماسي.

فالإجمال دون بيان هو سبب من أسباب تخبّط وغلو الشباب الذي لا يملك مفاتيح العلم؛فإذا انضم إلى ذلك ضعف الوازع الديني وقلة الورع؛وضعف التربية وقلة الأدب؛أنتجت هذه الخلطة فئاما من الناس يجدون في الإجمال مبتغاهم ؛فالإجمال دون بيان كما قال ابن القيم:قد خبّط الأذهان والآراء كل زمانِ؛

فالقول مثلا أن(أصل الدين)لا يُعذر الجاهل فيه؛ويكفر عاذره؛دون ضبطٍ لحد أصل الدين؛إجمال مخل؛جعل كثيرا من الشباب يُدخلون في صلب أصل الدين تكفير المشركين على تنوعهم؛ بل وإظهار عداوتهم ؛وإعلان البراءة منهم؛وهذا بنوه على إجمال عبارات بعض المشايخ الأعلام الذين كان مقصدهم حسنا وهو تعظيم التوحيد وإظهاره؛بعد أن كادت معالمه تدرس؛ وإحياء عراه الوثقى بعد أن كادت تموت!

ثم لما أسيء فهم إجمالهم في زماننا؛خاض الناس في هذا الباب معاركهم؛وكتبوا كتاباتهم؛ وصنّفوا ردودهم؛والسعيد من نجّاه الله وبصّره في هذه الفتنة الهيجاء؛ التي عصفت فيها الأهواء؛ وسُفكت فيها الدماء!

   

والقول بأنّ (عبادة غير الله) لا يدخل فيها الإعذار بالجهل ومن تلبس بناقض فهو كافر؛ومن قال بإسلامه بعد العلم بحقيقة الحال فهو كافر! 

هذا يُعَد في زمان قَلّ فيه العلم؛ وانتشر فيه التخبط والجهل: إجمالا مُخلا؛وغير مانع عند بسطاء الشباب من المتعجّلين بالتكفير من دخول كثير من المسائل التي يرون المشايخ يُدْخِلونها تحت تعريف العبادة العام الذي يأخذونه من عموم قول الله تعالى:(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

ولو قرأ شاب منهم تعريف شيخ الإسلام للعبادة بأنها:(اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)

ثم نَزّله على هذا القول؛دون أن يُضبط له ويُحد؛ويُعَرّف الناقض مما يندرج تحت مسمى العبادة من غير الناقض؛فسينزلق في التكفير إلى ما لا تُحمد عقباه.

وحتى القول بأن (سب الله ورسوله) لا يجري فيه الإعذار بالجهل بالحكم، ومن قال بإسلامه بعد العلم بحقيقة الحال فهو كافر.

فهذا أيضا غير مانع عند كثير من الشباب من تكفير من لا يَكْفرون في هذا الباب!

ومَنْ طالع ما كتبه العلماء في تفريقهم بين السب الصريح وغير الصريح؛والمحتمل؛وما كان خلافا لكمال التوقير؛ ونحوه من الأمور التي فصّل فيها العلماء؛ ومِنهم القاضي عياض في الجزء الثاني من الشفا؛عَلِم أنّ مما يظنه البعض سباً؛ما لا يكفر صاحبه ؛ويُكتَفى فيه بالزجر والتعزير والأدب فكيف يكفر عاذره⁉️

وهذا الأمر إن لم يُنبّه عليه الشباب ؛ويدرسوه على التفصيل زلّوا وضلّوا.

ومِثل ذلك القول بأن(موالاة الكافرين)لا يجري فيها الإعذار بالجهل بالحكم.

ومن قال بإسلامه بعد العلم بحقيقة الحال فهو كافر.

فهذا الكلام مجمل ولا يمنع من إقحام الشباب فيه ما يُدخِله بعض المشايخ تحت الموالاة من المداهنة والركون اليسير والإعانة على الظلم وتكثير السواد؛ويَخصّه بعضهم باسم الموالاة ؛وبعضهم يصطلح عليه بالموالاة الصغرى؛ويُدرج المكفرات تحت اسم التولي.

ومع هذه الإشكالات؛والتجارب المزعجة والمؤلمة التي أثمرتها -أحيانا- نصوصٌ مجملة لعلماء أعلام؛ درجنا على كتاباتهم؛ نثق بهم ويثق بهم الشباب ؛خاض الناس بسببها المعامع؛وجهدوا وجاهدوا لنفي الظنون والأفهام الخاطئة عنها؛إلى أن وضّحوها بشق الأنفس؛بل قُتل شرعيون في بعض الجماعات؛ وصُفّوا لتصديهم لها؛فصار الواجب المتحتّم على أهل العلم؛التفصيل في هذه المسائل إنْ أرادوا أن لا يُساء فهم إطلاقاتهم؛فتُستعمل في تكفير من لا يستحق التكفير.

وليس التعليم أن نضع القواعد المجملة للتكفير في أيدي شباب لم يطلع على التفاصيل.

فمَن عرف واقع كثيرٍ من الشباب المتحمّس من حدثاء العلم أو السن؛ وكيفية تعاملهم مع مسائل التكفير خصوصا في الخلافات والخصومات؛

وما جرّ ذلك على الجماعات من تشرذم واقتتال ودماء؛

عرف الحاجة المُلحّة إلى التوضيح والتفصيل والتفسير والبيان

ورحم الله ابن القيم حين قال:

فعليك بالتفصيل والتمييز فال* 

إطلاق والإجمال دون بيان

 

قد أفسدا هذا الوجود وخبّطا*

الأذهان والآراء كل زمانِ

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on