تكفير المشركين ليس من أصل الدين

تكفير المشركين ليس من أصل الدين

 مصطلح (أصل الدين)غير موجود ولا منصوص على حده في الكتاب والسنة؛ولذلك فإنّ كل طائفة من الطوائف حدّته بحدّ يوافق أصولها بدعية كانت هذه الأصول أم سنية

وحتى المتأخرين من المنتسبين إلى أهل السنة؛ اضطربوا في حدّه؛وذلك لأنه أصلا مصطلح موضوع وليس مسموعا؛فبعضهم جعل المقصود به أركان الإسلام والإيمان؛وبعضهم قصد به مباحث العقيدة؛وبعضهم قصد به ما لا يسع المسلم جهله من أحكام الإسلام  كتحريم الزنا والخمر..

ومعلوم أنّه لا مشاحة في الإصطلاح؛إن صحّ ولم يخالف الشرع؛وإنما جُعِل الاصطلاح؛ لتيسير العلوم وتسهيل طلبها. 

وعليه فإذا اعتبرنا أنّ أصل الدين هو ما لا يدخل المرء للإسلام إلا به؛ولا يكون مسلما إلا به؛ فهو يمثل إذن مفتاح الإسلام.

وهذا يعني أن أصل الدين هو معنى كلمة التوحيد

وهو: أن تعبد الله وحده لا شريك له ، وتكْفُر بكل معبود سواه؛لقوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } 

وقوله ﷺ: { من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه ، وحسابه على الله } .

ويتبع ذلك قطعا شهادة أن محمدا رسول الله؛

وهذا معناه قبول ما بَلّغه الرسول ﷺ والتسليم له وعدم رده أو الاعتراض عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [مجموع الفتاوى : 3/397]:‏

‏[وَعِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ : هِيَ أَصْلُ الدِّينِ ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ ، ‏وَأَنْزَلَ بِهِ الْكُتُبَ ، فَقَالَ تَعَالَى : { ‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ ‏دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } ‏]‏

وقال في [مجموع الفتاوى أيضا : 15/438]:‏

‏[وَأَصْلُ الدِّينِ هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ ، الَّذِي أَصْلُهُ الْحُبُّ وَالْإِنَابَةُ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ ، ‏وَهُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا النَّاسَ ‏] 

وقال أيضا في [مجموع الفتاوى : 10/15]:‏

‏[ولهذا كان رأس الإسلام { شهادة أن لا إله إلا الله } ؛ وهي متضمنة عبادة الله وحده ، وترك ‏عبادة ما سواه ، وهو ‏الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً سواه ، كما قال تعالى : ‌‏{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن ‏يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}]اهـ‏

وقال ابن حزم رحمه الله في [ الفصل : 4/35]:‏

‏[ وقال سائر أهل الإسلام :كل من اعتقد بقلبه اعتقاداً لا يشك فيه ،وقال بلسانه لا إله ‏إلا الله ، وأن محمداً رسول ‏الله ، وأن كل ما جاء به حق ، وبريء من كل دين سوى دين ‏محمد‌‏ ﷺ ‌‎، فإنه مسلم ‏مؤمن ، ‏ليس عليه غير ذلك ]اهـ

 

وعليه فتكفير المشركين ليس من أصل الدين؛الذي لايكون المسلم مسلما إلا به؛ولكنه من لوازمه ومكملاته الواجبة؛وذلك أنّ الدين والتوحيد والإيمان ينقسم إلى: أصل لايصح إلا به؛ وإلى واجب؛ وإلى كمال مستحب

وليس كل واجب يعتبر من شروط الإيمان والتوحيد أو أركانه ؛التي لا يصح إلا بها ؛حتى وإن دخل في معنى لا إله إلا الله باللازم ؛كتكفير المشركين.

فالبعض يجهد ليجعله من صلب أصل الدين لغة أو شرعا ؛ليرتب عليه تكفير المسلمين الذين يجهلون أحكام التكفير؛ويخافون الله من إيقاعها خطأ على من لا يستحق؛ لما يسمعونه من الوعيد على تكفير المسلم.

ونحن لا ننكر أن شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) بما تحويه من ركن النفي

تتضمن نفي الشرك والبراءة من المشركين؛وبغضهم وعداوتهم؛

 كما أن ركن الإثبات في شهادة التوحيد

يتضمن تجريد العبادة لله وحده ؛وموالاة كل من جَرّدها؛ومحبتهم ونصرتهم.

فهذه المعاني قد أمضينا حياتنا في الدعوة إليها وإظهارها؛

إلا أننا نقول كما قلنا سابقا؛أن هذه الأشياء ليست على درجة ورتبة واحدة؛وهذا هو التحقيق الذي يضبط المسائل؛ويعصم من مهاوي التكفير.

وأما قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي استفتحنا به كتابنا ملة إبراهيم: (أصل دين الإسلام وقاعدته أمران :

الأول : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه .

الثاني :الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه ، وتكفير من فعله ، فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا )اهـ

فقوله رحمه الله:(والتحريض على ذلك وتكفير من تركه)وكذا قوله(والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه ، وتكفير من فعله)

هو من تمامه وليس من أصله

ولذلك بَيّن في آخره وقال:(فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا )اهـ

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on