التعليل بالتشهّي بمعزل عن الدليل نوع من التضليل

التعليل بالتشهّي
بمعزل عن الدليل
نوع من التضليل

نشرت مجلة الجامعة العبرية مقالا بالعبرية للأكاديمي السعودي محمد الربعان قال فيه:(أن خلاف النبي محمد ﷺ مع يهود الجزيرة العربية كان سياسيا وليس دينيا)اهـ
الكل يرى بشاعة هذا التوصيف والتلطيف والتخفيف للخلاف الذي تتجذر-حقا وصدقا ويقينا- فيه العقيدة والتوحيد؛وكيف يسعى الكاتب إلى فصله وعزله عن أصل الدين وعراه الوثقى.
دعونا من قصة التطبيع وتَدافع هؤلاء المنبطحين عليها؛
لكن نريد أن نتوقف هنيهة هنا مع طريقة التصنيف والتعليل الشهواني؛ الذي يتستر بالأكاديمية والفهم والتحليل عند كثير من الكتاب والمفكرين والمتفذلكين والمنظرين المعاصرين؛ يُقلّد بها بعضُهم بعضا
وأعني بذلك تصنيف وتعليل المسائل والمواقف وأحداث السيرة والتاريخ القديم والحديث؛وجعلها مواقف سياسيّة ؛أو اقتصاديّة ؛أو نفسيّة بسبب الضغوط وردات الأفعال؛ أواجتماعية بسبب الفقر..وغير ذلك من التفسيرات المختارة.
فكل ذلك التعسّف تستعمله طوائف لنزع نكهة العقيدة والتوحيد والولاء والبراء من المواقف والحوادث والأعمال؛وأحيانا يستعملها آخرون لمجرد صرفها وتوجيهها لمآربهم؛ كالترقيع لولاة أمورهم وسياساتهم؛أو للترقيع لسياسات جماعات وفصائل وتوجهاتها
وتتفاوت هذه التحويرات والتعليلات المتلاعب بها بشاعة وإجراما بحق السيرة والتاريخ والنصوص؛بحسب الأمر أو الحدث المتناول؛وبحسب الغاية والمطلب الذي يسعى إليه صاحب هذا التحوير والتعليل.
وللعلم فهذه البدعة ليست جديدة؛ فقول هذا الأكاديمي الجاهل أن خلاف النبي ﷺ مع اليهود كان سياسيا وليس دينيّا؛ هو تكملة لمسيرة العجلة المنحدرة إلى الحضيض على هذا المنوال.
والتي لم يبدأها بعض دعاة التقريب في زماننا حين ادعوا أنّ خلاف أهل السنة مع الروافض سياسي وليس عقائديا
فهذا التعسّف والتلاعب موجود قبلهم مع وجود كل متلاعب بالتاريخ والدين .
وهي بدعة تفتح أبواب الشر على النصوص والسيرة والتاريخ؛وتُسلّط الأهواء على الأدلة الشرعية.
فبعض أصحابها يتخصصون بانتقاء المسائل العظيمة المرتبطة بأصل الدين وعراه الوثقى؛ فيقزّمونها ويجردنوها ويفصمونها عن أصلها الكلي؛ ويختزلونها في مسائل أو قضايا جزئية؛ ليقدموها ويعرضوها بهذه الطريقة المبتدعة المُخِلّة بالفقه والفهم؛المفسدة للمقدمات والنتائج؛ويُزوّقونها ويجملونها بلباس الفكر والأكاديمية .
فقد رأينا كثيرا من المعاصرين ممن يُسمون أنفسهم بالمفكرين يعتذرون للمبتدعة في أزمنة الخلافة فيجادلون عن المعتزلة والمرجئة والخوارج والقدرية والجبرية ؛ويعذرون كثيرا منهم؛ في مواقفهم المنحرفة؛بل وعقائدهم الزائغة؛وربما خَطّؤوا بعض الخلفاء والصحابة بدعوى أن الخلاف مع هذه الفرق أو مشاهيرها كان سياسيا؛ زُج فيه بالعقيدة والتوحيد لقمع الخصوم
واليوم يَدّعي بعض مَن كانت له سابقة في الرد على هذه الإنحرافات؛ وتعرية هذا الباطل؛أنّ خلاف الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مع الدولة العثمانية -في آخرها- كان سياسيا ولا دخل له بالتوحيد
وقائل هذا أو قائلوه لو تدبروا وضع نجد المهمل قبل ظهور النفط؛ودرسوا أحوال الجزيرة قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب؛ وتأملوا تراث الشيخ الإمام وأحفاده؛ لاستحيوا من هذا التبرير و التعليل ؛والذي فيه -دون أدنى شك- إزراء بدعوة الشيخ الإمام ؛وجعل قتاله ونصرته لمن كان في زمنه من الولاة؛ من قبيل فعل الجامية والمداخلة
والغريب أن بعض من يفعل هذا؛ لا يقبل تعليلنا لبعض الإحداث المعاصرة الصادرة عن بعض الشخصيات والحكام وتوجيهها بالأدلة الواقعية؛خذ (آياصوفيا)مثالا
واليوم يزعم الكثيرون أن خلافنا مع كثير من الإسلامقراطيين فقهي أو حتى نفسي؛لا دخل له #بالتوحيد ؛وإنما نحن من يزجه في ذلك زجا؛لا غرابة ؛فقد قيل مثل ذلك كما رأيتم في من هو خير منا.

وأعتقد أن هذه الطريقة في اختزال الخلاف والتهوين من شأنه بل وتقزيمه وتسفيهه وتسخيفه؛ طريقة مكشوفة في الخصومات حين تتعرى من الإنصاف؛أو حين يطلب فاعلو ذلك من وراء هذا التسخيف مآرب أخرى سلطانية أو حزبية أو غيرها.
فمن ادعى أن خلاف النبي ﷺ مع اليهود كان سياسيا؛لتسهيل التطبيع؛يمكنه اختصار خلافات الأنبياء مع أقوامهم بأشياء يتخيرها من آيات ينتزعها من سياقاتها؛ليميت بذلك أصل دعوة الأنبياء (التوحيد) ويقتل عراها الوثقى.
فيمكنه أن يختصر خلاف نبي الله شعيب مع قومه واختزاله على المكيال والميزان بدعوى أن أتباع الأنبياء فقراء ويريد نبي الله تجميعهم بالمطالب المحببة لقلوبهم؛وهذا عمل سياسي مخلوط بنكهة اجتماعية اقتصادية؛يمكن لدعاة التعليل بالطريقة الشهوانية عزل #التوحيد عن ذلك؛والصد به عن دعوة الأنبياء
ومثل ذلك يمكنه اختصار خلاف نبي الله لوط مع قومه واختزاله بمحاربة الشذوذ الأخلاقي والفاحشة وعزل ذلك عن #التوحيد ؛وهذا خطأ بيّن مهما لُبّس بلباس مُجمّل؛ومهما تزيّى بفلسفة ذات مسحة إصلاحية
ويمكنه اختزال دعوة نبي الله صالح وخلافه مع قومه بأنه خلاف مالي؛لعقرهم الناقة التي تمثل أحب الأموال لهم في وقتها..
وهكذا تتسلط العقول المنحرفة بأهوائها بهذه الطريقة البدعية ؛ليس على التواريخ والسير والأحداث والنصوص؛بل وعلى أصول الدين والإيمان والتوحيد وعراه الوثقى.

وهي طريقة لا تليق بمن يعرف أن ديننا جاء ليخالف الأمم ابتداء في #التوحيد الذي ناقضوه؛ والعقيدة التي حرّفوها؛وتلاعبت بها الفرق المذكورة كُلٌّ بكيفيات معينة.
وكذلك جاء ليخالف الأمم في كثير من السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من الأبواب التي شوّهوها.
لسنا ننفي التعليل الصحيح الموافق للدليل حتى ولو كان لأفعال الرسول ﷺ وسيرته؛
أما التعليل بالتشهي وبمعزل عن الدليل
لأيٍّ كان؛ فهو نوع من التضليل

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on