من ذاكرة أفغانستان ترجمة موجزة وتعريف لطيف بالدكتور المجاهد/أحمد بوعمرة الجزائري

من ذاكرة أفغانستان

ترجمة موجزة وتعريف لطيف

بالدكتور المجاهد/أحمد بوعمرة الجزائري

رحمه الله حيا كان أو ميتا

 

كتبها الشيخ المقدسي

 

كنت قد شرعت في خطبة الجمعة في (بيت الغرباء) في بيشاور ؛ولم أكن بعد قد أتممت خطبة الحاجة فيها؛حين دخل أحد الشباب من المجاهدين القدماء في الجهاد الأفغاني وقد بدا على وجهه الإرتباك؛وتجاوز المصلين ليهمس في أذني وأنا أخطب بكلمات:(لقد قتل قبل دقائق عبد الله عزام وولداه؛فاختصر كي يأخذ الإخوة حيطتهم فقد يستهدفون!)

كان الخبر مفاجئا ومُربكا لي ؛وتسبب ببلبلة أفكاري مما اضطرني لاختصار الخطبة وإقامة الصلاة،فقد كان هذا الجمع الذي أخطب فيه مغضوبا عليه في بيشاور؛لجرأتهم على انتقاد انحرافات قادة وأحزاب الجهاد الأفغاني بعد تبصرهم فيهم؛ بعد طول مشاركتهم في الجهاد؛وقد يُلصِق بعض المفترين مثل هذه الجريمة ببعضهم؛ لخلافهم مع الشيخ عبد الله عزام في مدحه لرئيس باكستان ضياء الحق؛ وتزكيته لعموم القادة الأفغان آنذاك؛والمخابرات الباكستانية بالأصل كانت تطلب وتطارد بعض هؤلاء الشباب؛فهي فرصة ملائمة لها للتلفيق؛وساحة بيشاور آنذاك كانت مبلبلة لا يعرف المرء متى يُعتقل فيها؛ ومتى يُطارد؛ بل ومتى يُقتل؟

بعد انتهاء الصلاة وإخبار الشباب بالخبر قاموا سريعا باحتياطاتهم اللازمة من نقل السلاح من البيت؛وخروج البعض منه؛وتأمينهم في مكان أنسب ،فيما أصر الدكتور أحمد بوعمرة على البقاء في البيت؛رغم أنه كان أكثر أهل هذا البيت تهديدا من هذه المخاطرفقد كانت مخابرات حكمتيار بالتعاون مع المخابرات الباكستانية تطلبه من قبل.

فيما ذهبت أنا لزيارة أمير بيت الأنصار آنذاك لاستطلاع الأخبار؛وكان صديقا لي واسمه أبو مصعب(جزراوي) وحين دخلت عليه في غرفة الإدارة وجدته حزينا على مقتل الشيخ؛ ولما رآني ازداد حزنه؛ وقال:(ياليتني لم أذكر لك ما قاله الشيخ عبد الله عزام عنك قبل أيام)!

فهدّأت من روعه؛ وقلت له:اصبر؛ فإن كان الشيخ يطلب الشهادة فقد نالها إن شاء الله ،وأما ما نقلته لي من مقالته عني فلا تحزن ولا تندم عليه؛لأنني لم أعبأ بها؛ولم توغر صدري عليه؛فقد تعوّدنا أن يقول عنا مخالفونا مثل هذا الكلام؛ولم نعد نكترث بمثله؛خصوصا حين يأتي كلامهم هذا بسبب نصرتنا للتوحيد!

وذلك أن الشيخ كان في مجلس لبعض القيادات حضره أبو مصعب هذا؛فذُكرت من يسمونها بالجماعات التكفيرية في بيشاور وما ينشرونه ويتسببون به من بلابل؛ فقال الشيخ عبدالله عزام وقتها:لقد جاءنا شيخهم قديما في معسكر صدى وعمل لنا بلبلة..(يقصد النقاش الذي دار بيني وبينه في مسجد المعسكر أمام المصلين؛ حول طلبهم السكوت عن شركيات بعض الأفغان؛ في أول مجيء إلي لأفغانستان)

فقال له الأخ أبو مصعب : ( لا ياشيخ؛هذا ليس شيخا للتكفيريين؛ أنت لا تعرفه ؛هذا طالب علم نعرفه ويدرس في معسكراتنا)

فكأنّ أبا مصعب ندم على أن نقل لي هذه الحادثة؛بعد مقتل الشيخ؛ وخشي أن يوغر صدري على الشيخ ؛فقلت له ما قلت من عدم التفاتي إلى ذلك ،فقد تعوّدنا على رمينا بتهمة الغلو والتكفير منذ أن اخترنا دعوة التوحيد ؛ولزمناها ولم نتنازل عنها أو نبدل فيها ولله الحمد؛ونعلم أن هذه التهمة هي بعض تكاليف هذه الطريق؛سبقنا بالتعرض لها مَنْ هم خير منا من أئمة هذا الدين؛وإنّا على دربهم إن شاء الله سائرون.

وممن رموا بهذه التهمة أيضا وبُهتوا بها؛

الدكتور أحمد بو عمرة الجزائري ؛والعجيب أن بعض من يبهته بذلك اليوم؛كان لايزال صبيا يحبو ويسيل مخاطه؛ حين كان الدكتور أحمد يمضي سنواته الخمس في الصفوف الأولى بجبهات القتال في أفغانستان.

فهو طبيب جراح من قدامى المجاهدين العرب في أفغانستان؛شارك لخمس سنوات متصلة في الجهاد الأفغاني أيام الوجود الروسي فيها؛ وكان في الجبهات الأولى يحمل سلاحه ويعالج المصابين،ويجري العمليات الجراحية اللازمة للمجاهدين في عمق أفغانستان،وكان له الفضل في المساهمة عمليا في تأسيس مستشفى الهلال الكويتي مع أطباء أفاضل آخرين في بيشاور آنذاك؛والذي كان يتعالج فيه المجاهدون والمهاجرون، وغالبا ما كان يتبرع براتبه للمحتاجين من المجاهدين والمهاجرين ؛وبعد خمس سنوات من مشاركته في الجهاد الأفغاني ترك جبهات الجهاد الأمامية ؛في أفغانستان بعدما وصل إلى مُحصلة ونتيجة راسخة وواضحة بفساد قادة الأحزاب الافغانية ؛وتيقّن من أنهم دجالون يتسلقون على جماجم الشهداء؛ ليقيموا دولتهم الديمقراطية المسخ؛وأن غايتهم هي تبديل الطاغوت الشيوعي البالي نجيب؛بطاغوت ديمقراطي جديد منهم؛وكان يتابع تصريحاتهم عن ذلك؛وعن أخوّتهم لبعض طواغيت العرب والعجم ،فجمع لهم ملفات خاصة بتصريحاتهم وكلامهم وانحرافاتهم التي تناقض التوحيد؛فكان كل ما يقوله فيهم موثقا من تصريحاتهم وخطاباتهم وكلامهم ؛ليريه لكل مجادل عنهم؛مغتر بهم؛فلا يقدر أحد اطلع على بيناته من مناقشته ورد حجته؛فقد كان قويّ الحجة؛ صريح المحجة؛تضلع من كتب ابن حزم رحمه الله ؛فكنت أرى فيه ابن حزم؛حين يحاجج خصومه بقوة وحزم.

فاتخذ قراره بترك المشاركة في القتال في أفغانستان آيام سيطرة الأحزاب الأفغانية على الجهاد؛ بعد خمس سنوات أمضاها في الصفوف الأولى في الجبهات؛وقرر التفرّغ لتبصير الشباب بفساد قادة تلك الأحزاب وانحرافهم عن التوحيد وأنهم من لصوص التضحيات؛الذين يُغرّرون بالشباب ؛ويستغلون حماسهم للجهاد؛ليجعلوهم حطبا لمعاركهم ؛وسلما لمشاريعهم الخبيثة؛وصولا إلى دولتهم الديمقراطية؛وكان من أوائل الناس وأبكرهم بصيرة في ذلك الواقع؛وأجرئهم على الصدع بعقيدته تحذيرا للشباب من الاغترار والانخداع باللصوص الملتحين الذين يتلاعبون بدمائهم؛ وبدأ يدعو للتوحيد والبراءة من الطواغيت ؛فكان من أوائل أعماله؛أن طبع ونشر كتابي (ملة إبراهيم)الذي كنت قد أهديته مخطوطا منه حين حضرت لبيشاور أول مرة؛فلما طالعه أعجب به جدا ؛ولذلك كان واثقا من عدم سكوتي؛حين أخبرته عن قراري الذهاب إلى معسكر صدى(معسكر الشيخ عبد الله عزام)لأتدرب وأدخل لأفغانستان؛وقال لي يومها:(ستخرج بنفسك؛أو سيطردوك!)

وقد صدقت فراسته؛فخرجت بنفسي من المعسكر ومضيت إلى أفغانستان؛بعد أن تيقنت من إصرار القوم على أخطائهم؛وصدق نظرة الدكتور أحمد في انحرافاتهم.

وأثناء نقاشي لعبدالله عزام؛في مسجد معسكره؛وسماعي لاتهام مقلدة الشيخ لي بأني عميل لروسيا ؛وعدو للجهاد؛جئت لأخرّبه؛لمجرد أني اعترضت على اشتراطهم على من جاء يجاهد؛ بأن لا يتكلم مع الأفغان في العقيدة ؛ولا ينكر عليهم شركيات القبور وغير ذلك ..

وبيّنت أنّ أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد الذي جئنا نقاتل في سبيله؛لتكون كلمته هي العليا..

تذكرت ساعتها قول الدكتور أحمد لي:(ستخرج بنفسك؛ أوسيطردوك)

وقد تبين لكل ذي عينين بعد ذلك أنّ من خرّبوا الجهاد حقا؛هم من زكّوا العملاء ؛وغرّروا بالشباب؛فجعلوهم سلّما للمشاريع الديمقراطية والعلمانية؛تسلّق على أشلائهم لتحقيقها ؛كلّ مِن رباني وسياف وأمثالهم؛وكان سيكون معهم أحمد شاه مسعود؛لو لم تقطف رأسه إيدي مباركه..

كان الدكتور أحمد بعد تبصره هذا في الواقع الأفغاني آنذاك؛يستقبل الشباب القادم من بلاد العرب للجهاد ؛فيبصرهم بواقع الاحزاب الأفغانية أولا؛ويحذرهم من الإغترار بهم؛ثم يدعوهم إلى التدرب والرجوع لإحياء الجهاد في بلادهم؛فتأثر وتبصر بدعوته شباب كثيرون؛ولذلك كانت تبحث عنه مخابرات باكستان وتستعين بمخابرات حكمتيار للقبض عليه ..وكانت له مناظرات مع كثير من القادة العرب والأفغان؛ ومناظرات مع الغلاة الذين كانوا يكفرونه في بيشاور ؛ولذلك استهدف مرات عديدة بمحاولات القتل من قبل الغلاة ،ومحاولات الإعتقال من قبل المخابرات الباكستانية؛ومخابرات الأحزاب الأفغانية؛ وطورد لكلامه فيهم.

كان الدكتور أحمد صديقا للدكتور أيمن الظواهري والدكتور سيد إمام بحكم عملهم كأطباء ،وعلاقته بالدكتور الظواهري كانت طيبة ،وكان يضطر لاستدانة المال منه بعدما ترك العمل في العلاج بسبب مخاصمة الناس له؛ لتحذيره من القادة الأفغان؛فكان الدكتور الظواهري يحترمه ويداينه..ولما كثر دينه صار يستحيي من الاستدانة من جديد؛فعاش هو ومن معه من الشباب حياة تقشف لايجدون في كثير من الأحوال ما يسد جوعهم؛فقد حوربوا من أكثر الناس؛وطردوا من أكثر المضافات والمعسكرات؛حتى إن بعضهم ممن أمضى سنوات في الجهاد الأفغاني لم يجد من يعطيه تذكرة الرجوع إلى بلده من تلك الهيئات والمضافات والجماعات !

ولذلك كانت زوجتي أم محمد رحمها الله تسعد حين أكون حاضرا في بيشاور فيأتيني الدكتور أحمد وبعض من معه؛لتكرمهم وتصنع لهم طعاما وتحتسب الأجر؛وكان الدكتور أحمد يحب أولادي ويمازحهم ويشير على ابني عمر تقبله الله ويتفرس فيه الخير .

كان الدكتور أحمد سنيا على عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ولم يكن على عقيدة الخوارج ؛ولا من يُسمون بالتكفيريين كما يرميه بذلك كثير من الكذابين؛ بل قد كان على خلاف شديد مع غلاة بيشاور الذين كفّروه إذ لم يوافقهم على غلوهم ،فلم يكن شابا حدثا تنطلي عليه شبهاتهم؛ بل كانت مطالعاته وقراءاته غزيره؛وكل من جالسه شبّهه بابن حزم في تعظيمه للدليل؛ وشدته على المبتدعة ؛وقوته في المناظرة، وكان شديدا على الطواغيت ؛ولذلك كان شديدا على من والاهم من قادة الأحزاب الأفغانية؛ وشديدا على علماء الحكومات،ومما نفر بعض الناس عنه؛وجعلهم يحاربونه ويفترون عليه ويزيدون؛تكفيره لبعض علماء الحكومات؛بعلة بيعتهم لطاغوت بلدهم ؛واعتباره ولي أمر للمسلمين؛وتغرير الأمة بذلك وإدخالها في طاعتهم؛ فكان يكفرهم لموالاتهم للطاغوت؛ فقد كان يرى أن البيعة من أخص خصائص التولي ،ومع ذلك فلم يكن الدكتور أحمد يكفر من خالفه في هذا؛كالدكتور أيمن حفظه الله؛ والعبد الفقير وغيرنا؛ فهو ليس على مذهب الغلاة في تكفير من لم يكفر الكافر دون تفصيل،ولذلك كفّره غلاة بيشاور لأنه كان لا يكفرني؛ ويصلي خلفي الجمعة في بيت (الغرباء)وهم أعني الغرباء أصحاب الدكتور؛نزاع من الأحزاب الأفغانية؛ ومن بعض جماعات العرب المتواجدة في بيشاور وأفغانستان ؛بعد تأثرهم بالدكتور أحمد ودعوته؛وتبصّرهم بانحرافات القادة الأفغان؛فنُبذوا وخولفوا وأقصوا وحوربوا لأجل هذه المخالفة ؛فآواهم الدكتور في هذا البيت الذي سمي ببيت الغرباء ؛والذي كنت أخطب فيه أحيانا؛وأرى صعوبة عيشهم وقلة ذات يدهم ؛ولما قرر أكثرهم العودة إلى بلادهم للدعوة والجهاد؛على نهج التوحيد الذي تعلموه من الدكتور أحمد؛ لم يجد أكثرهم ثمن تذاكر السفر للرجوع؛ إلا بشق الأنفس..

 وكان هذا أيضا حال الدكتور أحمد؛وقدّر الله بعد ذلك أني عدت إليهم بعد سنة؛ومعي ما كان ينتظره الدكتور أحمد على أحر من الجمر؛ ليختم به وجوده في ساحة بيشاور؛وهو كتاب(الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)الذي كان الدكتور أحمد حريصا عليه؛وعلى طباعته ونشره؛ فكان هو أول من طبعه من نفقة تكفل بها بعض أحبابنا من الجزيرة؛فختم الدكتور أحمد بذلك رحلته وتجربته الأفغانية؛وذلك بتفجير آخر قنابله في بيشاور؛وهي طباعة ونشر هذا الكتاب؛ الذي انتشر هناك؛ ودخل إلى أفغانستان؛ وعاد مع العائدين إلى بلدانهم..

وكان بعض ريع هذا الكتاب الذي وزع أكثره مجانا إغاظة لأعداء الله؛كان بعض ريعه هو ثمن تذكرة رجوع الدكتور من بيشاور إلى بلده؛فعاد خالي الوفاض من المال؛ولكنه غزير العلم والتجربة؛ يحمل بين جنبيه دعوة التوحيد والجهاد.

وصادفت عودته وقت الحملة المسعورة للإنتخابات الجزائرية؛فطفق يناظر أصحابها ومؤيديها؛ويحذر من باطلها،ويدعو إلى تحقيق التوحيد بالبراءة من الطواغيت؛والكفر بشرك الديمقراطية .

ولقوة حجته ؛ونشاطه في دعوته؛وغيظ مخالفيه منه ؛وعجزهم عن مقارعة حجته بالحجة؛فقد طعنوه في أحدى المناظرات غدرا من الخلف ،وما لبث أن عفا عمّن طعنه بعد أن أفاق من غيبوبته في المستشفى ؛فقد كان على شدته في الحق؛ طيب القلب؛ كريما رحيما بالمسلمين؛وقد اعتقل في الجزائر وسجن وابتلي؛وكان يعالج إخوانه السجناء في السجن..

ثم لا يُدرى الآن أين هو!

فلازال يرد اسم الدكتور أحمد بو عمرة؛ ضمن لوائح المفقودين في الجزائر إلى اليوم.

اللهم ارحمه حيا كان أو ميتا

واحشرنا وإياه في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك؛واجمعنا في فردوسك الأعلى؛ إخواننا على سرر متقابلين.

لم يكن الدكتور المجاهد أحمد الجزائري يُكفّر الدكتور عبدالله عزام؛كما يفتري عليه خصومه ؛ولكنّه كان يُنكر عليه مديحه لطاغوت باكستان ضياء الحق؛وكم من مرة أسمعني خطباً له من ذلك؛ كان يحتفظ بها في أرشيفه،ولكنه لما كان سنياً؛ لا يقول بمقالات أهل الغلو؛لم يكن يكفّره لأجل هذا المديح والثناء؛بل كان يُنبّه بذلك على غيره من الأمور؛ليُنبّه الشباب بعدم الإغترار بتزكيته للعميل أحمد شاه مسعود وسائر قادة الأحزاب الأفغانية اللصوص؛ الذين كان الدكتور الجزائري يكفّرهم دون مواربة ؛ويرى أنهم يستغلون الشباب المجاهد لتحقيق مشاريعهم الطاغوتية ؛وتبديل طاغوت شيوعي بالي؛ بطاغوت جديد ملتحي..ويرى أن مديح الدكتور عزام وغيره لهم؛فيه تغرير للشباب ؛واستعمال لهم في بناء وإقامة ما لم يشرع الجهاد إلا من أجل هدمه؛أعني دولة الطاغوت الشركية؛ التي كان يسعى إليها أولئك اللصوص من قادة الأحزاب ؛ووصلوا إليها وأقاموها فعلا ؛مستغلين بذلك طاقات وتضحيات ألوف المجاهدين والشهداء الذين توافدوا إلى أفغانستان نصرة للمسلمين على الشيوعيين.

ولأن الدكتور أحمد لم يكن تكفيريا ولا خارجيا كما يبهته به من لا يعرفه؛فلم يكن يكفر هؤلاء الشباب ؛بل كان يعذرهم ويدعو الله أن يتقبلهم على نياتهم الحسنة ،ويسعى بكل ما أوتي من حجج وبراهين إلى استنقاذ من يواجهه منهم ،وإقناعه بأن يتدرب ويرجع ليجاهد طواغيت بلاده ،وليس ليعتزل الجهاد ويجلس يخذل في بيشاور؛كما يدعيه عليه خصومه الكذابون الذين لم يعرفوه إلا نقلا عن خصوم كذابين مثلهم..

ومعلوم أن من عرف الدكتور الجزائري عن قرب ؛وكان يشك في كلامه في سياف ورباني وحكمتيار وأضرابهم؛ويستعظمه وقت إقبال فتنتهم!

قد سلّم بصحة قول الدكتور بعد تكشّف فتنتهم وإدبارها؛وأقَرّ -إن كان منصفا- بموفور عقل الدكتور أحمد وعلمه ودينه وجرأته في نصرة التوحيد؛ وعدم مبالاته بالمخالفين وتشنيعهم عليه، وإصراره على نصرة الحق ولو سبح وحده عكس التيار؛

وكان كلامه في أولئك اللصوص قويا وموثّقا؛فلم يكن ممن يُلقي الكلام على عواهنه؛ولذلك كان له الأثر البالغ على كل من جالسه وعرفه عن قرب ؛واستمع إلى حججه وبراهينه.

وأما من لم يعرفه عن قرب ولم يسمع أدلته وبراهينه ..فهو قطعا سيقع فيما وقع فيه أشباهه ممن اتهموا الدكتور بأنه تكفيري وأنه وأنه؛خصوصا وهم واقعون تحت سطوة طول لحية سياف ودعاويه الكاذبة عن الجهاد والاستشهاد ودولة الإسلام! وتزكيات المشاهير له ولأمثاله! مع تشجيعهم عموما على الجهاد الأفغاني؛وفقا لسياسات ولاة أمورهم آنذاك؛وقدومهم إليه؛كما فعل الخبيث المدخلي نفسه؛حين قدم إلى أفغانستان؛وجاء قبلها إلى معسكر صدي؛حيث استعان به الدكتور عبدالله عزام في الرد عليّ؛عقب نقاشي معه!

وإذا كنت أنا قد اتهمت بالوصف التكفيري وزيادة؛ في معسكر صدى لمجرد إنكاري على الدكتور عزام منع الكلام في شركيات جهال الأفغان..فكيف بي لو كفّرت لهم قادة الأحزاب!؟ وكيف لو أني كفّرت حبيبه أسد بانشير أحمد شاه مسعود!؟

كما يفعل الدكتور الجزائري..لا أظنني كنت سأخرج ساعتها من المعسكر الإخواني حيا..

لقد كان لكلام الدكتور أحمد صدمته وصعوبته على العوام في أول فتنة أولئك اللصوص؛وقد عظّم من فتنتهم ؛تزكية أمثال الدكتور عزام وغيره لهم.

وفي الوقت نفسه كان لكلام الدكتور أحمد سطوته على العقلاء وطلبة العلم الذين يتريّثون لسماع الأدلة..

وليس أدل على ذلك مما حصل للدكتور سيد إمام..

فسيد إمام الذي يدّعي البعض أنه مَن نشر الغلو في التيار الجهادي! حين قابلته لم يكن يُكفّر قادة الفصائل الأفغانية؛ولا حتى النظام السعودي ؛فكيف لمثله آنذاك أن ينشر الغلو في التيار الجهادي!؟ لكنها دعوى من يهرف بما لا يعرف.

ومع ذلك فقد كان لحُجج الدكتور الجزائري الأثر البالغ في زعزعة القناعات؛فوصل الحال بالدكتور سيد إمام أن يطلب مني ذات مرة أن أعمل بحثا عن جواز قتال المسلم مع كفار ضد كفار آخرين؛لعله يجد ما يُبرّر به القتال مع أمثال سياف وحكمتيار ورباني؛ضد العملاء الشيوعيين ؛و يرد به-ولو على وجه التنزّل- على نهي الدكتور أحمد عن القتال تحت راياتهم؛ومثّل لي يومها بما ورد في كتاب السير الكبير للشيباني؛ من قصة كان يظنّ أنّ فيها قتال الزبير رضي الله عنه مع النجاشي ضد من خرجوا يقاتلونه من الحبشة؛ وقد راجعت المسألة وقتها وتبيّن لي أنّ الزبير لم يُقاتل مع أحد ؛بل كان ما جرى له ؛أن الصحابة نفخوا له قربة عام عليها في النهر ؛ليستطلع لهم خبر القتال ؛وأنه وافى المسلمين بانتصار جيش النجاشي ففرحوا بذلك؛ووجدت فيه:(باب قتال أهل الإسلام أهل الشرك مع أهل الشرك!

قال : لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا أهل الشرك مع أهل الشرك ؛لأن الفئتين حزب الشيطان ، وحزب الشيطان هم الخاسرون ،فلا ينبغي للمسلم أن ينضم إلى إحدى الفئتين فيكثر سوادهم ويقاتل دفعا عنهم ،وهذا لأن حكم الشرك هو الظاهر ، والمسلم إنما يقاتل لنصرة أهل الحق ، لا لإظهار حكم الشرك .)اهـ

وهذا الطلب من الشيخ سيد إمام لا شك كان تنزّلا وتأثّرا بكلام الدكتور أحمد الجزائري في تكفيره قادة الأحزاب الأفغانية.

ولكنه ربما تحت ضغط الشباب وحماسهم ؛وسطوة الدعاية للجهاد الأفغاني؛والمشاهير من العلماء والدعاة الذي كانوا يدعون إليه ويزكونه ويزكون أحزابه وقادتها ؛لم يقدر أن يتبنى موقف الدكتور؛المبكّر والمحذّر علنا من القادة الأفغان بل والمكفّر لهم ؛والمحذر من القتال نصرة لمشاريعهم.

وقد قال لي الدكتور سيد إمام ذات مرة حين كنت أذكر له كلام الدكتور أحمد: (ألم يقل الله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ) !؟

فكنت أقول:طيّب والثمرة من يقطفها!؟

وهذا ماضمّنته لاحقا ودوّنته في بعض وقفاتي مع ثمرات الجهاد..

أذكر هذا مع أني أشهَد بعلم الدكتور سيد إمام؛بل لم يمر عليّ في التيار الجهادي أحد بمستواه العلمي حتى اليوم؛بغض النظر عما نخطئه به اليوم من تغيرات.

ومع ذلك فمعرفة واقع القادة الأفغان؛ وتتبع توجّهاتهم؛ ورصد تصريحاتهم وخطاباتهم جعلت للدكتور الجزائري من البصيرة والجراءة على اتخاذ موقفه؛ والسبق إليه والصدع به؛مالم يكن عند الدكتور سيد إمام ولا غيره آنذاك ..

وهذا التفرّد والسبق بالسباحة عكس التيار الجارف في تلك الأجواء؛ لاشك كان هو من أكبر أسباب الطعن في الدكتور أحمد؛وعدّه تكفيريا عند كثير ممن لم تستوعب عقولهم ما سبقت بصيرة الدكتور الجزائري إليه؛فكيف بمن جاء بعد ذلك في الحقبة الطالبانية؛ وسمع من بعض الناس سماعا عن الدكتور أحمد؛دون أن يقابله!

ولكن المنصفين اليوم ممن عايشوا تلك المرحلة؛ وعاينوا ثمراتها ومآلاتها؛ورأوا الفتنة بعد تكشّفها وإدبارها؛يعترفون بفضل الدكتور الجزائري؛ ويُقرون بفراسته وبصيرته.

 

 

 يتعجّب البعض من رجوعنا بالذاكرة إلى الوراء ؛وماذا نهدف من نبش ذلك التاريخ والتذكير به!؟

فنقول:لقد تكلّمنا مرارا وتكرارا عن انحراف الفصائل الشامية -إلا مارحم ربي-وتمييع كثير منهم لسبيل التوحيد والجهاد؛وحذّرنا من تسلّق لصوص الجهاد على تضحيات الشهداء؛ليقطفوا ثمرة الجهاد ؛ويكرروا استنساخ التجربة الأفغانية؛باستغلال شباب التيار الجهادي من جديد ؛ليقيموا بعد ذلك دولتهم المسخ تسلقا على أكتاف الشهداء؛كما فعل لصوص القادة الأفغان قبلهم ؛وأولئك كانت لحاهم أطول من هؤلاء؛ وادعاءاتهم أعلى وأجل.

فالواجب التذكير بالتجارب السابقة؛ والتحذير ممن يُغرّر بالشباب؛ويزكي أمثال هذه الفصائل؛ويدعي أنها حصن الأمة! بل وآخر قلاعها!وهو يعلم انحرافها!

فهذا التحذير أمانة في رقاب أهل العلم؛فكم من أمثال الدكتور عزام اليوم يزكون الخبثاء تبعا للعاطفة!؟ بل كم من أمثال المدخلي في زماننا ممن يزكون المجرمين تبعا لتوجيه ولاة الخمور!؟

يزكون فصائل قد علم الناس تلاعبها بجهاد المجاهدين.

وممن يزكونهم من لا يثقون أصلا بقادتها؛ولكنهم يخشون من قول كلمة الحق وتكاليفها في وجه التيار الجارف!

فيكتفون بالكلام العاطفي الحماسي؛ الذي يحرض الشباب على الجهاد؛ دون إخلاص النصح لهم بهدايتهم وإرشادهم إلى تكثير سواد أنصار الشريعة والتوحيد الذين لا يتلاعبون بتضحيات الشهداء؛ ولا يخونون راية التوحيد ؛ ويثبتون ويستقيمون على غاية تحكيم الشريعة حتى يقضوا نحبهم..

فكما أننا ننبه ونقول دوما بأن مراد الله ليس هو الدعوة إلى عبادته وحسب!

بل مراده سبحانه الدعوة إلى عبادته وحده أي(التوحيد)

فكذلك نقول:بأن غايتنا لا ينبغي أن تكون هي التحريض على القتال وحسب!

بل غايتنا هي التحريض على القتال في سبيل الله لتكون كلمة الله (التوحيد) هي العليا.

 وهذا ما حملناه على عواتقنا منذ أن هدانا الله؛وسنتحمل بعون الله وتثبيته ما نلقاه من طعن وبهت واتهام؛ في سبيل توعية الشباب به؛وتنبيههم عليه.

والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on