كلمات في وفاة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق رحمه الله

إنا لله وإنا إليه راجعون

توفي الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق 

وقد كان آخر ما نشره بيانه: “السلام مع اليهود خطة لانتزاع الإسلام من جذوره”

فكان ذلك موقفا موفقا له ؛ختم به حياته دعوية والعلمية.

هذا الشيخ أدركتُه في شبابي؛حتى أنه كان مدرّسنا في السنتين الأخيرتين للدراسة الثانوية.

وكنّا ونحن شباب نحب ترتيله المميّز للقرآن.

وحتى زعران الطلبة كانوا يهدؤون ويتركون الضحك واللعب والعبث؛ عندما يبدأ  بترتيل الآيات التي سيشرحها في الدرس؛

لجمال ترتيله ؛وهدوء صوته؛وحنان نبرته.

كان للشيخ أثر بالغ على شباب الكويت؛ التيار السلفي خاصة؛

ولا نُعلن سرا حين نقول؛ أنّ أثره جمع بين السلبيات والإيجابيات في وقت واحد!

فمن إيجابيات الشيخ تحبيب السلفية والسنة؛ وتبغيض البدعة للشباب الكويتي.

وكنّا ممن تأثر به في هذا الجانب؛ونحن شباب كتأثّرنا بمشايخ السلفية عموما ابن باز والعثيمين والألباني وأمثالهم من المشاهير.

وكان من السلبيات التي غرّر بها الشيخ بكثير من الشباب ؛أنّه كان من أوائل من دعوا إلى مشاركة السلفيين في المجالس التشريعية! في وقت كان سلفيو مصر يذمون ذلك؛ ويحذرون منه (ورسالة سيد الغباشي)مثال على ذلك؛ والتي نشرناها وطبعناها ووزعناها آنذاك؛ كردّ على دعوات الشيخ وأمثاله.

ومما تعثر الشيخ فيه أيضا ؛وجعله سببا لانقسام السلفين إلى تيارين ؛ردود أفعاله على أبنائه وشبابه ومن ربى منهم؛ حين أرادوا تطبيق بعض ما كان يدعوهم إليه من السنة بحذافيره؛ دون التفات لاستصلاحاته وتحفظاته!

فردُ الشيخ الجعفان عليه في  رسالة(كشف الحقائق) لا زلنا نذكره حتى اليوم.

وإن كان ظاهر الخلاف في مسألة تطبيق سنة الصلاة في النعال في المساجد؛ والتي شنّع فيها الشيخ عبد الرحمن على بعض طلبته؛وهو السلفي الذي يدعو إلى السنة ومتابعتها!

إلّا أن المتابع آنذاك؛ يعرف أن المسألة أكبر من خلاف في تطبيق سنة الصلاة بالنعال على(زل)المساجد!

فالمنهج الإستصلاحي المتخبط ؛كان ظاهرا في ردود الشيخ التي رد عليها الشيخ الجعفان وقتها في رسالته المذكورة.

ولازلت حتى اليوم أذكر كلمات الشيخ عبد الرحمن التي رد بها على أولئك الشباب حينها في دروس مسجلة؛ مستهزئا بعقولهم لأخذهم بظواهر الأحكام؛وإعراضهم عن استصلاحاته المنفلتة من عقالها؛والتي أوصلته إلى حثّ سلفيي الكويت على المشاركة في البرلمانات التشريعية!

حتى وصفه بعض الشيوخ وقتها:بأنه الشيخ الذي صبغ السلفية بالمنهج الإخواني!

ويظهر خلافنا هذا  في جزء من ردي عليه في كتاب كتبته في الكويت بعنوان(القول النفيس في التحذير من خديعة إبليس):

حيث قلت فيه:

(ومما تقدم يظهر لك بطلان ما قعّده الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه (المسلمون والعمل السياسي)

حين قال ص (39) (ثالثاً: المصالح والمفاسد هي الأساس والطريق للحكم على الوسائل: لاشك أن طريق الحكم على وسيلة ما بأنها صالحة أو لا هو بمقدار ما تحققه من المصالح الشرعية، أوتخلقه من الأضرار والمفاسد، فالنظر في العواقب، وتدبر الأمور، وحساب الأرباح والخسائر الدينية، هو ما يجب النظر إليه والتعويل عليه…).

وأكد ذلك ص(40) فقال: (وهكذا يجب أن يكون النظر في كل خطوة من خطوات الدعوة، ووسيلة من وسائلها، وأسلوب من أساليبها.. كم يحقق من المنافع للأمة والدين والإسلام.. وكم يحقق من المفاسد الشرعية، فإن كان النفع أعظم والتضحيات والمفاسد أقل، كان العمل مشروعاً بل واجباً أحياناً، وأما إن كانت المفسدة أكبر والأضرار أعظم من المنافع فإن الواجب الإحجام …).أ.هـ

فقلت في الكتاب المذكور:

(فالحق الذي لا مريّة فيه أنّ الأساس والطريق الأول -ولا نقول الوحيد- لكن الأول والأهم في الحكم على الوسائل مشروعة أم غير مشروعة، ومعتبرة أم غير معتبرة، هو الشرع والبرهان والدليل. كما عرفت من قبل.

ثم بعد ذلك يأتي ميزان المصالح والمفاسد تبعاً للدليل. لا حاكماً ومهيمناً عليه، كما هو حال كثير من دعاة العصر. ولذلك أدخلوا على أهل الإسلام شراً عظيماً وباطلاً مبيناً؛ لأن ميزان المصلحة والمفسدة إن لم يكن مضبوطا ومحكوما بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فسيكون دون شك أو ريب محكوما بالأهواء والاستحسانات والعقول القاصرة المختلفة. ولذلك يحصل التناقض والاختلاف والتخبط في دين الله.

ولذلك، فقد جوّز الشيخ المذكور هداه الله وكثير ممن هم على طريقته بحجة الاستصلاحات الدعوية المشاركة بكثير من الباطل العظيم والإفك المبين كالبرلمانات التشريعية وغيرها من المؤسسات الكفرية للطواغيت. 

حتى بلغ به الأمر إلى أن ضرب على ذلك مثلاً بالجزائر حين خرج المستعمر الفرنسي منها، فزعم أن أغلب اقتصادها كان آنذاك مبنياً على صناعة الخمور، فأخذ يسفه عقول القائلين بإغلاق تلك المصانع فوراً ويصفهم بالجمود مع النصوص وعدم فهم روحها وأن المصلحة تقتضي إقرار تلك المصانع والتدرج مدة في إلغائها. خشية من مفسدة انهيار الاقتصاد وتضرر الشعب!

مع أن الله تعالى قد ألغى مثل هذا الاستصلاح وبيّن يوم أن قضى بمنع المشركين من دخول الحرم، وقد علم سبحانه بخوف بعض المؤمنين من مفسدة ضعف الإقتصاد وكساد التجارة التي قد تنتج عن ذلك المنع المفاجئ، فقال سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم)[التوبة: 28].

وهكذا فقد بلغ الأمر بأصحاب هذه الاستصلاحات أن يسموا الوقوف مع الأدلة الشرعية وعدم تعدّي حدود الله؛ جموداً مع النصوص. 

فنقول لهم: أن كان هذا جموداً عندكم فنحن نعلنها بأننا فخورون بهذا الجمود ؛معتزون به ،ونسأل الله تعالى أن يحيينا ويميتنا عليه. وهنيئاً لكم بالانحلال عن النصوص والتحرر من الأدلة وتعدي حدود الله في ظل استصلاحاتكم واستحساناتكم المتهافتة.)انتهى كلام المقدسي الذي لازال بحمد الله جامدا! عليه؛ منذ أن كتب هذه الكلمات قبل أزيد من ثلاثة عقود من الزمان.

ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية وزلّ الشيخ فيها؛زلة السلفيين المعروفة؛فغدا صدام البعثي عندهم -لحربه لإيران- بطلا صنديدا؛ وحارسا للبوابة الشرقية للوطن العربي من مدّ الروافض وزحفهم..إلخ الألقاب التي نشرتها جمعية إحياء التراث في بيان خاص ؛حين كان الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق شيخها الاول؛ويومها ذهبت مع بعض الإخوة لننكر عليه ذلك البيان!

وجلسنا معه في الجمعية المذكورة؛ وجَهَد الشيخ جهدا شديدا؛ ليقنعنا بأنّ البيان حق لا غبار عليه! وأنه صدر من غير رهبة ولا رغبة! 

وتعب وهو يضرب لنا الأمثلة من شتى البلدان؛ ليقنعنا بفحوى البيان ؛بعيدا عن الطريقة السلفية السنية في الاستدلال!

ولذلك لم يطل الزمان حتى احتاج الشيخ لأحد الشباب الذين كانوا معنا كي  يهرّبه هو وعائلته من بطش جيش بطله الصنديد الذي غزا الكويت وأحرقها؛ فكان الشيخ الممجد لصدام أحد الفارين من بطش هذا الجيش عبر الصحراء! وكان الذي ساعده وقتها واحد من الشباب الذين جاؤوا يناقشونه في بيانه في بطله الصنديد! وجيشه المجيد!

ليس القصد من هذه الكلمات الوقوع في الشيخ بعد أن أفضى إلى ما قدم!

فجُلها كلمات قد كُتبت قديما؛ وإنما المقصود بالتذكير بها؛ تحذير غيره من هذه الأخطاء؛ والانحرافات التي صارت في زماننا منهجا مستحسناً عند كثير من التيارات؛ بمن فيهم مرجئة الجهادية ومميّعتهم!

وبعيدا عن الإيجابيات والسلبيات التي أنكرناها في وقتها؛ ولازالت كتاباتنا شاهدة عليها!

نتذكر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: (حُسن العهد من الإيمان)

ونَذكر فضل الشيخ على توجيه الشباب إلى السنة ؛والعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات؛ونحوها من الأبواب التي شارك بها أبناء جيله كالشيخ عمر سليمان الأشقر؛ ومِن قبلهما الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ العثيمين ونحوهم.

ولا نملك في مقام الموت؛ وقد بينا مؤاخذاتنا وملاحظاتنا؛إلا أن نسأل الله تعالى أن يتجاوز عن زلاته في مقابل حسناته.

ويرحمه ويرحم كل من له علينا فضلا قليلا كان أم كثيرا.

وصلّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

 رأيت بعض إخواننا تضيق صدورهم من أنْ نذكر حسنةً لمخالفنا!

كما تضيق صدور مخالفينا؛ أنْ يروا عندنا إنصافاً؛ يُكَذّب افتراءاتهم علينا!

 الأصل أن نُعَلّم الناس الإنصاف والتفصيل؛ وأنّ الولاء يتبعّض؛وبديهي أنّ الحسنات والسيئات تجتمع في الشخص الواحد وليس كل السيئات كفرا.

ومادام الرجل قد نأى بنفسه عن تولي الطواغيت ؛ولم يكن من أعوانهم؛فنحن نخطئه بما أفتى به من أخطاء؛ ونضلله بما اختاره من اختيارات إرجائية؛لم توقعه في كفر؛ونمدح حسناته ولا نبخس منها شيئا.

وهذا المنهج استعملناه مع مخالفينا من طرفي الغلو والتمييع.

فليس كل خطأ يرتكبه المخالف وننكره عليه؛يعتبر ردة وكفرا..

ونُذَكّر هنا بما عابه علينا بعض الجهال؛ من تفريقنا بين من أفتى بدخول البرلمانات بشروط وضعها أو ابتدعها يرى أنّ فاعلها لا يقع في كفر!

وبين مَن أخَذَ بفتواه فدخل مجلس التشريع دون أن يحقق شروط المفتى؛

فكفرنا بذلك المشرّع؛ دون المفتي.

وهذا ما لم تستوعبه عقول بعض الجهال؛ فعدوه من تناقضنا! 

ولو فقهوا وعَقَلوا وفهموا؛ لرأوه محض التفصيل والعدل والإنصاف.

 

Comments are closed. Posted by: Sheikh Maqdisi on